من أروع القصص التي قرأتها وتتجسد فيها معاني الرضا والسعادة المنزوعة من فم الاحزان، قصة الطفل “ديل” الذي يرقد في المستشفى بانتظار النهاية، وبجانبه امه المملوء قلبها بالحزن وهي تتذكر زوجها الذي اختفى في عرض البحر بعدما غرق المركب الذي كان يقوده، وعلى الرغم من قساوة الظروف التي احتضنتها، لكنها كانت ككل أم تتمنى ان يحقق ابنها احلامه المستقبلية، لكن سرطان الدم الذي اجتاحه حال بينه وبين تحقيق امنياته.

ذات يوم امسكته بيديه الهزيلتين وسألته: “هل سألت نفسك يا بني ماذا كنت تتمنى ان تصبح عندما تكبر؟”. فقال لها: “كنت اتمنى ان أصبح رجل اطفاء لإنقاذ الناس من الحريق”، فابتسمت الأم قائلة: “سنرى ماذا نستطيع ان نفعل لتحقيق حلمك هذا”، وبعد ان خرجت من عنده ذهبت مباشرة الى اقرب ثكنة للأطفاء والتقت مع مديرها، وحدثته عن طفلها المريض ورغبته في تحقيق حلمه قبل أن يغادر هذه الحياة، وطلبت منه اذا كان ممكنا ان يصطحب ابنها في جولة في سيارة الاطفاء.

فأجابها قائلا: “مهلا سيدتي لا يمكننا ان نفعل هذا، بل يمكننا ان نفعل ما هو أفضل، وهذا ما سوف ترينه غدا صباحا في السابعة والنصف، فليكن ابنك جاهزا غدا وسنجعل منه اطفائي شرف ليوم كامل”.

حضر الطفل في صباح اليوم التالي الى الثكنة وتناول الطعام مع جميع الاطفائيين، حتى انه ارتدى البزة الصفراء الخاصة برجال الاطفاء مع حذاء الكاوتشوك العالي وخوذة حقيقية رسم عليها شعار رجال اطفاء مدينة “فينكس”، وبعد ذلك انطلق “ديل” الى السيارة الحمراء ذات السلم الطويل وكان في غاية السعادة، وجاءت في ذلك اليوم ثلاثة نداءات للحريق في مدينة “فينكس” وتركوا “ديل” يرد عليها جميعا، وفي احدى الليالي تضاءلت كل مؤشرات “ديل” الحيوية فاتصلت رئيسة الممرضات بأفراد الأسرة حتى لا يفارق الطفل الدنيا وحيدا.

ثم تذكرت الممرضة اليوم الذي امضاه “ديل” في الثكنة الاطفائية من خلال الصور التي تزاحمت في غرفته، فاتصلت فورا بالضابط تطلب منه إرسال أطفائي ببزته الصفراء ليقف الى جانب الصغير في لحظاته الأخيرة، وبعد عشر دقائق تجمع جميع افراد أسرة “ديل” حول سريره، وإذ بأصوات صفارة الانذار الصادرة من سيارة إطفاء تدوي في أرجاء المنطقة وكالعادة تجري من خلفها بعض سيارات وسائل الإعلام من أجل السبق الصحافي، وتوقفت سيارة الاطفاء أمام المستشفى، ونزل منها 16 اطفائيا بكامل عدتهم وركبوا السلم الذي ارتفع بهم الى الطابق الثالث، ودخلوا من النافذة المفتوحة ليحملوا “ديل” بين احضانهم ويقبلوه على خديه وسط دهشة جميع من تواجد في ذلك المكان وأولهم “ديل” نفسه الذي لم يصدق هذا الأمر، وبينما كان “ديل” يلفظ انفاسه الأخيرة وسط بكاء أهله ودموع جميع من حوله، نظر الى قائد الفرقة وسألة: “سيدي هل أنا حقا رجل اطفاء الآن؟” فأجابه: “نعم، نعم يا ديل بالتأكيد لقد قمت بعمل رائع”، فابتسم “ديل” وهو يمسك بيد أمه عند سماعه هذه الكلمات واغمض عينيه الى الأبد وترك ابتسامته الأخيرة باقية على وجهه.