النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: كيف يجب أن نفهم الشعر

  1. #1
    كبآآر الشخصيآت

    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    13,510
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي كيف يجب أن نفهم الشعر

    كيف يجب أن نفهم الشعر



    الدكتور علي عبد الرسول

    ويقول الأستاذ هازلت: (أن الشعر لغة الخيال والعواطف، وهو اللغة العالمية التي تصل القلب بالطبيعة، وليس الشعر فرعاً من فروع التأليف، وكل شيء يسمو في الحياة بمقدار ما فيه من شعر)، فالقصيدة إذاً سلسلة من المشاعر والمناظر والأفكار التي اعتملت في ذهن الشاعر ثم أودعها الألفاظ، فنحن عندما نقرأها نتناول هذه الألفاظ واحدة بعد الأخرى ونفرغها في شعورنا فنعيد تلك الحادثة التي أوحتها تلك المناظر والصور التي مرَّ بها فنمر بدورنا بكل ما اعتراه من حالات نفسية ومشاعر.

    والذي يتعاطى قراءة الشعر عليه أن ينفذ إلى معاني الألفاظ كاملة فلا يكتفي بمعانيها السطحية العامة، بل عليه أن يستخرج من ثناياها كل الصور والمشاعر التي ترتبط بمعانيها ويحللها إلى عناصرها المكونة لها ويجب عليه أن يقف جيداً على الكلمات الشائعة والسهلة وقفات طويلة، وكلما أزدادت ثقافة القارئ وكثر إطلاعه على أسرار الحياة والعالم إزداد فهماً للشعر وعرف ما في الألفاظ من معنى مدخر، وعندما نقرأ مقطوعة من الشعر علينا أن ننظر مدى تعبيرها عمّن قيلت هذه المقطوعة على لسانه، فلو قرأنا مقطوعة (براوننج) الشاعر الأنكليزي (بيا مافية) التي نظمها على لسان فتاة ريفية صغيرة عاملة في أحد المصانع تصف شعورها في يوم عطلتها بعد عمل طويل:

    العام من الربيع في ريعانه

    واليوم من الاشراق في اصطباحه

    والصبح في ساعته السابعة

    وسفح التل مرصّع بلآلئ الندى

    والقبرة في طيرانها سابحة

    والدودة البزاقة على الأرض زاحفة

    الله في سمائه

    وكل ما في الدنيا بخير

    فمن الواجب في قراءة مثل هذا النوع من الأدب أن تشعر بشعور هذه الطفلة الصغيرة التي قضت عامها في عمل مضنِ ثم ظفرت بعطلتها المنتظرة، وننظر إلى جميع الأحكام الموجودة في القطعة الشعرية السابقة بين هذه الفتاة لا بأعيننا نحن، فتتأثر في كل ما تأثرت فيه من القوى فأستجابت لأزدهار الربيع وطيران القبرة، وإن نحس ما أحسته هي في نشوتها عندما كانت تحيل بصرها في جوانب الطبيعة حولها، فلا تعنينا قراءة هذا الشعر في شيء من ناحيتها الفلسفية أو المنطقية، وليس من المعقول أن نناقش الأبيات (وخصوصاً البيتين الأخيرين) مناقشة منطقية فنقول إن في هذا القياس الذي استعمله الشاعر مغالطة، لأن النتيجة لا تلزم عن مقدماتها فقد يكون الله في سمائه ولا يكون (كل ما في الدنيا بخير) ويجب أن نعلم أن براوننج شاعر وليس بفيلسوف ولو أجرى الفلسفة على لسان الفتاة الصغيرة ما استحق لقب الشاعر (راجع فن الدراسة الأدبية لـH . B . Charlton أو ترجمته للأستاذ زكي نجيب محمود ص31).

    وقديماً قيل عن تعريف البليغ: هو من يراعي مقتضى الحال ويلبس لكل حالة لبوسها، وبعد أن نفرغ من قراءة القطعة السابقة بالشكل الأول، لنا أن نقرأها بشكل ثانٍ يجوز فيه أن نرجع إلى أفكارنا العالية التي لا تدركها الفتاة الريفية ونستعيد نظراتنا وآراءنا في الأبيات، ولهذه الآراء والنظرات كل الحق في أن تكون في ذهننا إلى جانب تلك النظرة الجديدة الساذجة التي أحسسناها حين شاركنا الفتاة في عواطفها ووجدناها، ولنا أن نستعرض جميع نظراتنا السابقة والنظرة الجديدة ومن الطبيعي أن نختلف نظراتنا وآراءنا عن نظرة الفتاة الصغيرة، ولكن بالرغم من هذا كله تبقى هذه الأغنية صادقة تمام الصدق بالنسبة إلى الفتاة وبالنسبة إلى اللحظة الزمنية (يوم عطلة بعد شغل عام طويل) التي قيلت فيها فلذلك فهي تعبير صادق أمين عمّا دار في خلد الفتاة، ويصعب على قارئ المقطوعة هذه أن يوقن بصدقها إلاَّ إذا قرأها باذلاً كل ما يستطيع من جهد وعناية في الوقوف عند ألفاظها لفظة لفظة، ويستخرج كل ما خزن فيها من معنى وشعور، ويجب ألاَّ تغرينا سهولة الكلمة فنأخذها بشكل عابر مما قد يضيع علينا جوهر القصيدة ويختل معناها لأن سر القراءة الفنية للثروة الأدبية واستساغتها متوقف على شيء واحد هو استخراج المعاني من ألفاظها بحيث تنفض كل مخونها، ويتبين لنا أن قراءة القصيدة الشعرية قراءة نقدية عقلية تأتي في الدرجة الثانية بعد قراءتها بقصد الإحساس بما فيها من شعور وعواطف، وقراءة الشعر عمل فيه شيء كبير من الخلق والإبداع وفيه كذلك هضم وتمثيل للمشاعر والتجارب التي يحويها، والشاعر الحق هو الذي يخلق لنا بخياله بيئة تحللت من قيود المادة وقوانينها ويوسع من نطاق بيئتنا التي نعيش فيها ويهيء لنا الفرصة أن نستجيب لمؤثرات جديدة (ونحن نعلم أن الحياة سلسلة من ردود الأفعال نستجيب بها لطائفة من مؤثرات نصادفها في ظروفنا المحيطة والبيئة التي نعيش فيها)، ونحن لا نظفر بهذا إلاَّ إذا تناولنا القصيدة على أنها حياة سنحياها حيناً من الزمن لا فكرة سنناقشها بعقلنا لنميز فيها بين الخطأ والصواب أو الجيد والرديء.

    وللقصيدة الشعرية ثلاث قراءات: قراءة أولى نعمل فيها الخيال لنحيا في الحادثة التي مرّت بالشاعر، وقراءة ثانية لننقدها نقداً أدبياً والنقد الأدبي يجب أن يكون مقتصراً على قدرة الألفاظ التي استخدمها الشاعر على التعبير أي هل تعبر الألفاظ في القصيدة عن الحادثة تعبيراً حياً ناصعاً يمكننا من إعادة الصور إلى أذهاننا حية ناصعة كما مرَّ بها الشاعر، وهذا النقد الأدبي لا يجوز أن نبحث فيه أصدق الشاعر حسب أحكام العقل أم كذب، ولا يجوز لنا أن نسأل أحافظ الشاعر على قوانين الأخلاق والعرف أم خرج عليها، فالبحث في هذا ليس من النقد الأدبي في شيء وإنما هو نوع ثانٍ من أنواع النقد ولا ينبغي الخلط بينهما.

    وبعد هذا النوع من القراءة هناك قراءة ثالثة يمكن لنا أن ننقد فيها آراء القصيدة ومعانيها ومذاهبها إن كانت خطأ أو صواباً ويتحتم في هذه القراءة أن تسبقها قراءة من النوع الأول أي يجب أن نحس بالقصيدة كما أحس فيها الشاعر، فلا يمكن أن نحكم على آراء الشاعر وأفكاره في القصيدة بالخطأ أو الصواب إلاَّ إذا أحسسناها كما أحسها هو وتمرسنا في الحادثة التي مرَّ بها جميع أحاسيسه فيها كما تمرسها هو، ففي قصيدة (براوننج) السابقة لا نستطيع تقدير القيمة العقلية لحكم الفتاة إلاَّ إذا تقمصنا شعور الفتاة بخيالنا أولاً لنرى بعينيها في موقفها هل هناك من سبب ما يبرر لها أن نحكم بذلك أو ليس هناك ما يبرره، ويجب أن نلاحظ في هذا الباب أن جميع القصائد التي أضافت إلى الفكر البشري نصيباً جليلاً لم تأتِ بذلك عن مقدار ما فيها من فكر خالص وإنما بما لها من قوة الشعر، فقد ينظم شاعر قصيدة دينية تزيد في الذخيرة الدينية مع أنه لا يقدم حجة عقلية واحدة إليها، وإذاً فالحكم على القصيدة من الناحية العقلية متوقف على قيمتها الشعرية.

    وقد ذهب الدكتور طه حسين في كتابه (مع المتنبي): (أنا لا أطلب من الشاعر أن يفهمني ما أراد حقاً وإنما أريد من الشاعر البارع، -كما أريد من الموسيقي الماهر- أن يفتح لي أبواباً من الحس والشعور ومن التفكير والخيال)، ويجب أن نقرأ الشعر في تدبر وأناة فنتابع الشاعر في كل ما دار بنفسه أو جالَ في خاطره، بحيث نمارس حادثة نفسية مارسها وحياة عاشها كيفما كانت هذه الحادثة وهذه الحياة فليس من الضروري أن يصور الشاعر حادثة سامية المشاعر عالية الخواطر، فلربما صوّر لنا الشاعر في قصيدته خواطر شرير بسفك الدماء أو مشاعر ظالم جبار يكيد للناس ويتربص بهم الدوائر فسواء لدينا نحن قراء الشعر أصورت القصيدة ملكاً رحيماً أم شيطاناً رجيماً، ما دامت الصورة ناصعة معبّرة تتيح للقارئ أن يتقمّص مشاعرها كأنه أنقلب ساعة القراءة ذلك الملك الرحيم بعينه أو هذا الشيطان الرجيم، ونحن إذا وازنا بين قصيدتين، فنحن نؤثر القصيدة التي تعلو بالنفس الشعري على زميلتها التي تصوّر الشر إن تساوت القصيدتان في جودة التصوير، ولكنا لا نبيح هذا التفضيل أبداً لو اجادت الثانية أكثر مما أجادت الأولى، إذ القصيدة الجيدة من الناحية الفنية –حتى وإن عالجت موضوعاً تأباه الأخلاق- خير ألف مرة من القصيدة الرديئة من الناحية الفنية وإن عالجت الفضيلة والأخلاق الكريمة.

    ونحن نجد كثيراً من قادة النقد الأدبي في أوربا (ومن بينهم الشاعر الانجليزي شلي) من يزعم –وربما كانوا على حق- أن الجودة الفنية في القصيدة أعظم شأناً وأكثر خطراً –حتى من الناحية الخلقية نفسها- من موضوع القصيدة أفضيلة هو أم رذيلة؟.

    ومهمة الشعر الأساسية هي أن يخاطب من الإنسان خياله ولا يخاطب القوة العاقلة بل يتجه إلى الملكة التي تتقبل الفكر والشعور معاً أي ملكة الخيال والشعر هو الذي يجعلنا –ولو للحظة قصيرة- أشخاصاً غير أنفسنا.

    وإليك بعد آراء كبار الأدباء في الغرب في الشعر:

    يقول شلي الشاعر الإنجليزي ((للغة الشعر لون خاص وصدى موسيقي يوافق الصوت وبدونه لا يكون الشعر))..

    وقال الأستاذ جورج ديهامل: ((غاية الشعر هي التعبير عمّا هو خالد، وليس كل من حمل قلماً خليقاً أن يخلد أية مادة كانت، وهؤلاء نادرون)).

    ويقول الأديب الفرنسي هازلت: ((أن خشونة النثر وهلهلته وركته قاضية على فيض الخيال الشعري، ولكن الشعر يقضي على هذا، فهو موسيقى اللغة مجيبة لموسيقى العقل))..ويقول كذلك: ((العالم يحمل الحباحب إلى بيته ليراها على ضوء العلم فلا يرى في الغد إلاَّ حشرة رمادية اللون، أما الشاعر فيزورها مساءً عندما تشيد لنفسها قصراً من النور الزمردي تحت فروع السوسن العطرة وأشعة الهلال الهادئة..)).

    ومن كل ما سبق نعرف أن الشعر لغة النفس والشعور يفسده التقليد المتكلّف المتعثّر وتقضي عليه الصنعة والتعمل المنبعثان عن بديهة خامدة والأحرى بالشعراء أو المتشاعرين المتكلفين الذين يسيرون في الشعر على عكازات واهنة خائرة ألاَّ يعرضوا أنفسهم للسخرية والازدراء فيريحوا الناس من صخبهم ويستريحوا به.

  2. #2
    ... عضو مـاسي ...


    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    1,604
    معدل تقييم المستوى
    2

    افتراضي

    ((غاية الشعر هي التعبير عمّا هو خالد، وليس كل من حمل قلماً خليقاً أن يخلد أية مادة كانت، وهؤلاء نادرون))

    ظميان غدير
    موضوع جميل يستحق ان يقرأ اكثر من مره
    يعطيك العافيه
    وجدت الفائده هنا
    دمت بخير

  3. #3
    كبآآر الشخصيآت

    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    13,510
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    اشكرك اخي الشاعر احساسي صادق

    على قرائتك ومرورك


    ونتمنى للشعراء ولغير الشعراء الفائدة


    تحيتي لك

    ظميان غدير

  4. #4
    كبآآر الشخصيآت

    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    الدولة
    ..
    المشاركات
    16,092
    معدل تقييم المستوى
    17

    Smile

    ظميان غدير...
    طرح راقي ...يستحق القراءة بتمعن ..
    وفعلاً شرح لنا كيفية الوصول لمعنى القصيدة من خلال الشعوروالاحساس بها ..
    الحقيقه ان الشعر موهبه رائعهـ..لكن هناك مثل ماتفضلت وقلت ..شعراء متكلفون
    او مستشعرون ..يختار اللفظة المكلفه التي تفقد القصيدة جمالهاا..والمعنى تاثيره
    من ناحيتي كمتذوقة مبتدئية للشعر..احب الشعر الذي يحتوي على الالفاظ السلسة
    والعذبة ويكون لهاتاثير مبااشر عليّ ودائماً احب اقرا القصاائد البعيدة عن التكلف
    وحشو الالفااظ...والتي تحتوي على اسمى المعاني..واشعر بها حقاً..
    استفدت من الموضوع ..ونسخته لديّ..:)
    من القلب شكراً..لك:25ar:
    وداعاً للحب

  5. #5
    كبآآر الشخصيآت

    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    13,510
    معدل تقييم المستوى
    17

    افتراضي

    أهلا بك يا وداعا للحب


    سرني مرورك وقرائتك الموضوع ..



    الموضوع يناقش مسائل نقدية بحتة

    ويجعلك تستطيع التفرقة بين الشعر الجيد والغير جيد

    فالموضوع يستفيد منه ايضا المتذقون للشعر وليس فقط الشعراء


    تحيتي لك

    ظميان غدير

المواضيع المتشابهه

  1. كيف نفهم النجاح.. مرة أخرى؟!
    بواسطة آحوال في المنتدى الارشيف
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 07-11-2010, 12:03 AM
  2. خطــــــــــــــــــوات تعلم وفهم اللغة الانجليزية
    بواسطة عاصمة مملكة الحب في المنتدى الارشيف
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 16-09-2006, 08:24 PM
  3. الشعر كنز والتبذير عيب وحرام xxxx يصبح الشعر لاحي ولا هو شهيد
    بواسطة الشــــ ابوطيف ــــويب في المنتدى قصائد وخواطر
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 11-06-2006, 11:17 PM
  4. كيف نفهم لغة العيون؟
    بواسطة @أبو مشعل@ في المنتدى الارشيف
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 28-10-2005, 10:38 AM
  5. ماهية الشعر،انواعه، وكيفية كتابته ماهو الشعر:::::::::
    بواسطة عـ ـذبـ الصـ ـفات في المنتدى قصائد وخواطر
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 03-09-2005, 02:40 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52