حمى القصيبي مرآة لعصر الانكسار والأحزان العربية والهموم الفردية وحمى المتنبي مرآة لعصر البطولة والشجاعة والفروسية.


الصايرة/ميدل إيست / كتب ـ أحمد فضل شبلول




تشيع روح الوهن والأسى والمرارة واليأس والموت في قصيدة "الحمى" لغازي القصيبي (1) منذ أول بيتين فيها، حيث يقول الشاعر:


أحس بالرعشة تعتريني

والموت يسترسل في وتيني (2)


الأمر الذي يصبغ القصيدة بسوداوية واضحة منذ بدايتها، وذلك على العكس من قصيدة "الحمى" للمتنبي التي لا يرد ذكر الموت فيها إلا في الأبيات الأخيرة حيث يقول:


وإن أسلم فما أبقى ولكن ** سلمت من الحمام إلى الحمام (3)


ثم يختتم القصيدة بنصيحة يقول فيها:


تمتعْ من سهاد أو رقاد ** ولا تأمل كرى تحت الرجام (4)

فإن لثالث الحالين معنى ** سوى معنى انتباهك والمنام


غير أن معنى الموت الذي يرد ذكره عند المتنبي ليس نابعا من موقف شخصي أو نتيجة لإحساسه الحاد بالمرض ـ سواء المرض العضوي أو النفسي ـ الذي قد يودي بحياته، ولكنه نابع من تأمل في حياة الناس والبشر، ومن حكمة أو نصيحة يصوغها صياغة محكمة، ويختتم بها قصيدته، فالموت آت لا محالة سواء عن طريق المرض أو غيره، لذا فإنه لا يبدأ القصيدة بداية تدل على خوفه أو شعوره بالوهن والأسى واليأس، ولكن يبدأ المتنبي قصيدته بقوله:


ملومكما يجل عن الملام ** ووقع فعاله فوق الكلام

ذراني والفلاة بلا دليل ** ووجهي والهجير بلا لثام


وعلى غرار الشعراء الأقدمين فإن المتنبي يوجه حديثه إلى صاحبيه متأثرا في ذلك بمطلع امرئ القيس، وغيره من الشعراء السابقين عليه:


قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ** بسقط اللوى بين الدخول فحومل


وإذا كان القصيبي يدعو حبيبته أو الرمز الأنثوي في القصيدة ـ أو الآخر في شكل المخاطب المؤنث ـ إلى الاقتراب منه وملامسته ومعرفة حجم المرض وطبيعته ومضاعفاته التي قد تؤدي إلى الموت، فيقول:


فقربي مني .. ولامسيني

مرِّي بكفيك على جبيني

وقبل أن أرقد حدثيني


فإن المتنبي يدعو إلى العكس من ذلك، يدعو صاحبيه إلى تركه حيث الصحراء التي يسلكها بغير دليل لمعرفته بمسالكها وشعابها، يدعوهما كي يتركاه للهجير الذي يسير فيه بغير لثام يقي وجهه لأنه تعود على ذلك، ولم يتعود على حياة الراحة والدعة والهدوء، فيقول:


ذراني والفلاة بلا دليل ** ووجهي والهجير بلا لثام

فإني أستريح بذي وهذا ** وأتعب بالإناخة والمقام

عيون رواحلي إن حرت عيني ** وكل بغام رازحة بغامي

فقد أرِدُ المياه بغير هاد ** سوى عدى لها برق الغمام


إن بطل القصيدة عند المتنبي بطل شجاع، جرئ، مغوار، لا يعرف اليأس ولا الفشل، ولا يعرف حياة الدعة والراحة والسكينة، وإنما هو فارس جوَّاب يقطع الصحراء بلا دليل ويجوب القفار بلا هاد، ويستدل على الماء والمطر بعدِّ بروق الغمام، بعكس بطل قصيدة القصيبي المصاب بالإحباط والفشل، الذي يشكو من الغربة والأسى والحزن، ويحس بالشجن والمرارة. إنه أشبه بالبطل المعاصر في الرواية الحديثة التي يبدو متأزما نفسيا ومهزوما ومحبطا، لذا فإنه يعيش على هامش الحياة ولا يشعر أحد بوجوده، ومن ثم فإن مفردات القصيبي تعكس واقع هذا البطل المهزوم مثل: (الموت، أرقد، المشرد، المسكين، القفر الضنين، السراب الخؤون، الغربة، الجنون، أحمق مأفون، الشجون، المغبون، انتحار، الوهم، الواقع الحزين، الزمن المعلون، الأغلال، البلبل السجين، دم يسيل، طعين، تعبت .. الخ).

وذلك على عكس مفردات المتنبي التي تعكس صورة البطولة والشجاعة والإقدام والتي منها (ملني الفراش، بذلت، السيوف، القناة [الرمح] الحسام، جواد، السرايا، ختام، اصطباري، اعتزامي .. الخ).

***

وعلى الرغم إصابة الشاعرين بالحمى ـ سواء إصابة حسية أو معنوية ـ فإن الموقف منها يختلف عند كل شاعر، فالقصيبي يستسلم للمرض:


مرِّي بكفيك على جبيني

وقبل أن أرقد حدثيني


وهو لا يبدي أي رغبة في المقاومة، ولا تبدو منه أي بادرة في الشفاء، أو حتى الرغبة في ذلك، بل على العكس فإنه يجد المرض فرصة للاعتراف بالخيبة والفشل، لذا نقرأ أبياتا كثيرة عند القصيبي تأخذ شكل الاعتراف والبوح والتذكر والشكوى واجترار الزمن الماضي الداخلي والخارجي، الأمر الذي يضفي الكثير من الشجن والأسى على هذه الأبيات، يقول:


قُصي عليَّ قصة السنين

حكاية المشرد المسكين

طوف عبر قفره الضنين

يشرب من سرابه الخؤون

ويشتكي النجود للحزون (6)

وجرب الغربة في السفين

وهام في مرافئ الجنون

كسندباد أحمق مأفون

وعاد بالحمى وبالشجون

محملا بصفقة المغبون


أما الحال عند المتنبي فعلى العكس تماما، ولعل البيت التالي يعلن فيه عن مقاومته للمرض وحرصه على الشفاء السريع منه كي يترك مصر التي عانى فيها من نار كافور ونار الهدوء والراحة التي يكرهها، إنها عنده أقوى من نار الحمى وأشد منها، يقول:


فإن أمرض فما مرض اصطباري ** وأن أحمم فما حم اعتزامي


لذا فإن المتنبي لم يلجأ إلى البوح والاعتراف بالفشل والمرارة مثل القصيبي، ولكنه يتذكر أيامه الماضيات، ويتذكر أيام الضرب والطعن والشجاعة والإقدام والدخول من قتام في قتام. يقول في تذكره وتوقعه لما يجده بعد مغادرته كافور:


فربتما شفيت غليل صدري ** بسير أو قناة أو حسام

وضاقت خطة فخلصت منها ** خلاص الخمر من نسج الفدام

وفارقت الحبيب بلا وداع ** وودعت البلاد بلا سلام


وعندما يزوره الطبيب ويحذره من الشراب والطعام، ومن أنواع معينة من المأكولات على عادة الأطباء في ذلك:


يقول لي الطبيب أكلت شيئا ** وداؤك في شرابك والطعام


فإن الأمر عند المتنبي لا يرجع إلى اكتشاف الطبيب لأسباب المرض وكتابة "روشتة" العلاج، ولكن أسباب المرض الحقيقية من وجهة نظر الشاعر والتي جلبت له المرض هي حبسه في مصر ورصد تحركاته أو تحديد إقامته. إنه يرى نفيه كالفرس الجواد الذي يضر بجسمه طول قيامه في المرابط فيفتر ويضعف ويمرض ويني:


وما في طبه أني جواد ** أضر بجسمه طول الجمام (7)

تعود أن يغبر في السرايا ** ويدخل من قتام في قتام (8)

فأمسك لا يطال له فيرعى ** ولا هو في العليق ولا اللجام (9)


هذا عن أسباب مرض المتنبي، أما أسباب مرض القصيبي فتكمن في تغير الزمان وأهله وفلسفة العصر الذي يعيش فيه، وإلى انقلاب الموازين والمعايير الأخلاقية:


يبيعني حينا .. ويشتريني

يمنحني المال .. ولا يغنيني

يسكب لي الماء .. ولا يرويني

ويجعل الأغلال في يميني

ويزدري شعري ويزدريني


وبالتالي فإن الأمل ضعيف جدا ـ أو لا أمل ـ في الشفاء عند القصيبي، على عكس المتنبي الذي يرى أن الأمل في الشفاء كبير، وبخاصة عندما يغادر كافور أو يغادر مصر، ويأتي البيت:


فإن أمرض فما مرض اصطباري ** وإن أحمم فما حم اعتزامي


يأتي ليعلن التحدي والأمل الذي يعلقه الشاعر على الشفاء، فهو إن كان قد مرض بالبدن أو الجسم، فإن صبره وعزمه باقيان على ما كانا عليه، ولم يمرضا بمرض جسمه. أما القصيبي فلم نجد عنده مثل هذه الروح المتفائلة، بل أنه في كل بيت، بل في كل حجر من بناء القصيدة، يعلن المزيد من الفشل والإخفاق والتعب وعدم القدرة على المقاومة:


تعبت من جحدي ومن مجوني

من كل ما في عالمي المشحون

من مسرح محنط الفنون

مشاهد باهتة التلوين

أغنية رديئة التلحين


***

غير أن الشاعرين يتفقان في إحساسهما بالوقوع في أسر القيد والسجن ـ سواء المادي أو الحسي عند المتنبي، أو المعنوي عند القصيبي ـ ويتفقان على أن هذا الإحساس ليس سببه المرض فحسب، بل المعاملة أيضا، معاملة كافور للمتنبي، ومعاملة الزمن للقصيبي.

يقول المتنبي بعد أن شبه نفس بالفرس الجواد الذي حبس عن أداء واجبه ومهامه الطبيعية في الحياة، وهي السير والسفر والمشاركة في الحروب والانطلاق في الصحراء والوديان والجبال والقفار:


فأمسك لا يطال له فيرعى ** ولا هو في العليق ولا اللجام


أي أن هذا الجواد أُمسك فلا يرخى له الحبل الطويل فيرعى فيه، ولا هو في السفر فيعتلف من المخلاة التي تعلق على رأسه، وليس هو في اللجام الذي يشده صاحبه فينطلق.

أما القصيبي فيشبه نفسه بالبلبل السجين الذي يغرد لحونا كلها أسى وشجن وأنين:


يا لشقاء البلبل السجين

في القفص المذهب الثمين

ينشد ما ينشد من لحون

خافتة .. دافئة الشؤون

مثل دم يسيل من طعين


إن الحياة التي ينتظرها بطل المتنبي بعد شفائه ـ من الحمى وخروجه من مصر ـ هي الحياة الي يحبها ويطرب لها، إنها حياة القتال والضرب والطعن والرمح والحسام، وهو يشفي غليله في هذه الحياة بالسير إلى ما يهواه ويطلبه، لذا فإنه يفارق الحبيب بلا وداع لعجلة من أمره، ويودع البلاد من غير سلام لأنه لا يوجد لديه وقت للسلام، إنه يتمنى أن يبرأ ويصح ليسافر على الخيل والإبل أو حيث يشاء له هواه:


ألا يا ليت شعر يدي أتمسى ** تصرف في عنان أو زمام

وهل أرمي هواي براقصات ** محلاة المقاود باللغام (10)

فربتما شفيت غليل صدري ** بسير أو قناة أو حسام

وضافت خطة فخلصت منها ** خلاص الخمر من نسج الفدام

وفارقت الحبيب بلا وداع ** وودعت البلاد بلا سلام


بينما الحياة عند بطل القصيبي المحموم أشبه بالمسرح المحنط الفنون مرة، ومرة أشبه بالمرأة التي شابت فلم يعد لها إغراء ولا فتون، لذا فإنه يتمنى الخروج من هذه الحياة التي جلبت له المتاعب والهموم والأمراض واليأس والفشل والإحباط، فلم يعد له هدف فيها ولا نجاح يود أن يحققه، ولا أمل يداعبه. إن الحياة عنده:


امرأة شابت .. فما تغريني

برمت بالمسرح .. أخرجيني

مرِّى بكفيك على جبيني

وقبل أن أخرج ودعيني


ولعلنا نلاحظ المفارقة الكامنة بين البيتين:


مرِّى بكفيك على جبيني

وقبل أن أرقد حدثيني


والبيتين:


مرِّى بكفيك على جبيني

وقبل أن أخرج ودعيني


إن البيتين الأولين يجيئان في بداية القصيدة، أما في نهاية القصيدة فيجئ البيتان الأخيران، وما بين (أرقد حدثيني) و(أخرج ودعيني) تكمن المأساة الإنسانية لدى الشاعر والتي أدت إلى اتخاذ قراره بالخروج من الحياة بعد رقاد المرض وما عاناه.

أيضا هناك المفارقة بين (حدثيني) و(ودعيني) حيث كانت هناك رغبة في الحديث والكلام والاستماع والبوح والإفاضة في بداية القصيدة، ولكن هذه الرغبة تلاشت وانعدمت وحلت محلها رغبة أخرى هي رغبة الوداع وتشييع هذا الشعر/الجسد/الحياة، إلى مثواها الأخير.

إذن فلكل شاعر أمنية أو رغبة، يتمنى تحقيقها وهو على فراش المرض، غير أنه شتان ما بين الأمنيتين، فالأمنية عند المتنبي أن يبرأ ويصح ليركب الخيل والإبل ويسافر إلى حيث يشاء، أما أمنية القصيبي، فهي الخروج من مسرح الحياة مودعا ومشيعا بالحب والحنان اللذين افتقدهما في حياته وحل بدلا منهما الفشل والإحباط واليأس.

ولقد تحققت أمنية المتنبي فمن الله عليه بالشفاء ورحل عن مصر عام 350 هـ، أما أمنية القصيبي ـ أطال الله في عمره ـ فهي لم تتحقق، ولكن نستطيع أن نقول من خلال معرفتنا بالشاعر ومعاصرتنا له، إنه استطاع ـ بعد ذلك ـ التغلب على الأحزان والهموم والأوجاع والآلام وعوامل الفشل والإحباط واليأس التي صبغت هذه القصيدة بتلك الصبغة السوداوية، الأمر الذي يجعلنا نقول إن هذه القصيدة ما هي إلا نفثات مصدور وأوهام شاعر لازم الفراش عدة أيام لسبب ما قد يكون عضويا أو نفسيا، فظن أن نهايته اقتربت، واتخذ من الحمى معادلا رمزيا لأحزانه وتشاؤمه ونظرته إلى الحياة في ذلك الوقت.

***

نأتي الان إلى كيفية استقبال الشاعرين لمرض الحمى ـ سواء الحقيقي عند المتنبي أو الرمز عند القصيبي ـ ووصفهما له ولوقعه على جسديهما وما تركه من أحوال نفسية وتغيرات جسدية مصاحبة.

نبدأ بالقصيبي حيث تجيء قصيدته كلها دفقة واحدة لشاعر محموم لا يرى أملا في النجاة من مرض الحمى/الرمز بخاصة، ومن أمراض العصر بعامة، ولكن هناك عدة أبيات قليلة في وصف فعل المرض نفسه، وتأتي هذه الأبيات في مقدمة القصيدة:


أحس بالرعشة تعتريني

والموت يسترسل في وتيني

وموجة الإغماء تحتويني


وعدا ذلك لم نجد أبياتا أخرى في وصف المرض ووقعه على الشاعر من الناحية الحسية، وإن كان المرض نفسه هو الذي استدعى الأبيات التالية في القصيدة.

أما الأمر عند المتنبي فجد مختلف فهو يصف المرض ووقعه على نفسه والتغيرات الجسدية المصاحبة له في 12 بيتا يقول فيها:


وملنى الفراش وكان جنبي ** يمل لقاءه في كل عام

قليل عائدي، سقم فؤادي ** كثير حاسدي، صعب مرامي

عليل الجسم ممتنع القيام ** شديد السكر من غير المدام

وزائرتي كأن بها حياءً ** فليس تزور إلا في الظلام

بذلت له المطارف والحشايا ** فعافتها وباتت في عظامي

يضيق الجلد عن نفسي وعنها ** فتوسعه بأنواع السقام

إذا ما فارقتني غسلتني ** كأنا عاكفان على حرام

كأن الصبح يطردها فتجري ** مدامعها بأربعة سجام

أراقب وقتها من غير شوق ** مراقبة المشوق المستهام

ويصدق وعدها والصدق شر ** إذا ألقاك في الكرب العظام

أبنت الدهر عندي كل بنت ** فكيف وصلت أنت في الزحام

جرحت مجرحا لم يبق فيه ** مكان للسيوف ولا السهام


لقد لاحظنا عند القصيبي أنه لا يوجد ذكر للطبيب المعالج ولا ذكر للزوار أو العواد مثلما لاحظنا عند المتنبي رغم قلة عائديه (قليل عائدي)، ولعل هذا يأتي انعكاسا لرفض الشاعر لعصره أو زمنه، وأن القصيدة مجرد حالة أو رؤية داخلية أو معادل رمزي، أكثر منها وصفا لحالة مرضية ألمت بالشاعر في وقت من الأوقات.

أيضا لاحظنا عدم لجوء الشاعرين إلى الدعاء أو التوسل أو الضراعة، وطلب الشفاء من الله أثناء المرض، وهو على عكس ما وجدناه عند شاعر آخر أصيب بالحمى أيضا ولكنه أكثر من الدعاء وطلب العفو والمغفرة والاعتراف بالذنوب والتوسل بجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه الشاعر علي أحمد باكثير الذي كتب خمس قصائد ـ في صباه ـ عن الحمى.

ومن خلال تأملنا لألفاظ الحمى ومصاحبتها اللغوية في قصيدتي المتنبي والقصيبي وجدنا أن لفظة الحمى لم تأت صراحة إلا مرة واحدة في قصيدة القصيبي، في قوله:


كسندباد أحمق مأفون

وعاد بالحمى وبالشجون


أما عند المتنبي فلم يرد ذكر الحمى صراحة، وإنما كان يكني بها بعدة معان مثل: زائرتي وبنت الدهر، وهو عندما يريد أن يذكرها صراحة فإنه يلجأ إلى الاشتقاق اللغوي على نحو قوله:


فإن أمرض فما مرض اصطباري ** وإن أحمم فما حم اعتزامي


وإذا كان القصيبي قد دخل في موضوع القصيدة مباشرة منذ أول أبياتها، فإن المتنبي لم يتحدث عن الحمى إلا بعد 16 بيتا تحدث خلالها عن نفسه وبطولاته وخبرته بالحياة والناس وأورد أكثر من بيت من أبيات الحكمة التي جرت على لسان الناس فيما بعد مثل:


ولم أر في عيوب الناس شيئا ** كنقص القادرين على التمام


وكأنه يقول كيف يتسنى للحمى بعد ذلك كله أن تتسلل إلى جسمي وتخترق هذا الجدار الصلب وهذا الشموخ والكبرياء، لذا فإنه كان واثقا تمام الثقة من شفائه، فهي مجرد عرض زائل لا أكثر، وربما يتوهم أنها تحالفت مع كافور عليه لأنها غشيته وهو يعرض بالرحيل عن مصر في ذي الحجة سنة 348 هـ وكان عمره في ذلك الوقت 45 عاما (المتنبي 915 ـ 965)، أما القصيبي فقد كتب قصيدته عام 1979/1399 هـ وكان عمره في ذلك الوقت يقترب من الأربعين عاما (فهو من مواليد السعودية 1940)، غير أن الأمر يختلف عند القصيبي الذي كان لم ير أي بادرة شفاء في ذلك الوقت.

***

وإذا تأملنا نهاية القصيدة عند كلا الشاعرين، فإن النهاية عند القصيبي تأتي خاتمة طبيعية لكل هذا الوهن والانكسار والأوجاع والآلام النفسية والأحزان واليأس والإحباط المنثور في أبيات القصيدة، إنه لا يملك إزاء هذا الإحساس المتضخم والشعور المأساوي بعبث الحياة سوى الاستجابة الحتمية للخروج من مسرح الحياة، أما المتنبي فإن نهاية قصيدته تأتي أيضا خاتمة طبيعية لإحساسه الحاد بالشموخ والكبرياء والعظمة التي افتقدها لفترة عند كافور، كما أنها تأتي نتيجة طبيعية لخبرته في الحياة ونظرته إلى الناس، لذا فإنه يتوجه بالنصيحة إلى مستمعه وقارئه بقوله:


تمتع من سهاد أو رقاد ** ولا تأمل كرًى تحت الرجام

فإن لثالث الحالين معنى ** سوى معنى انتباهك والمنام


ولا شك أن كلا القصيدتين مرآة للعصر الذي كتبت فيه، فحمى القصيبي مرآة لعصر الانكسار والأحزان العربية والهموم الفردية والأسى والمرارة التي يتجرعها الإنسان في واقعه اليومي، ومن ثم فإن الشاعر لا يتورع في هجاء هذا العصر وهذا الزمن القاسي فيصفه بالزمن الملعون. أما حمى المتنبي فمرآة لعصر البطولة والشجاعة والفروسية والشرف، ومن ثم فلا نجد هجاء للزمن أو للعصر الذي يعيش فيه الشاعر على الرغم من اعترافه بوجود المؤامرات والخطط التي يستطيع بشجاعته وذكائه التخلص منها كخلاص الخمر من نسج الفدام:


وضاقت خطة فخلصت منها ** خلاص الخمر من نسج الفدام


وبالتالي فإن المرض لا يوهن من عزيمته ولا يضعف من إصراره وصبره على المكاره:


فإن أمرض ما مرض اصطباري ** وإن أحمم فما حُمَّ اعتزامي


***

وفي النهاية نشير إلى أن قصيدة المتنبي وقعت في 42 بيتا، وجاءت من بحر الوافر، واعتمدت على روي الميم المكسورة، في حين وقعت قصيدة القصيبي في 45 بيتا وجاءت من مشطور الرجز الأمر الذي يدعو إلى الدهشة والعجب، فالمفروض في مشطور الرجز أنه بحر راقص تغلب عيه الإيقاعات الصاخبة، لذا فإن معظم القصائد المكتوبة للأطفال تأتي إما من مجزوء الرجز أو مشطوره، ولكن الأمر يختلف عند القصيبي فنلاحظ أن هذا البحر تشيع فيه نبرة الحزن واليأس والتشاؤم.

وقد استطاع الشاعر أن يخضع تفعيلاته إلى حالته النفسية المنكسرة، وقد أسهم روي النون المكسورة في القافية في إشاعة الوهن والانكسار في جو القصيدة.


أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية


الهوامش:

1 ـ ديوان الحمى. الأعمال الشعرية الكاملة، د. غازي القصيبي، ط 2، 1408 هـ/1987، جدة: مطبوعات تهامة، ص ص 570 ـ 574.

2 ـ وتيني: من الوتين، وهو عرق في القلب يجري منه الدم إلى العروق كلها.

3 ـ انظر شرح ديوان المتنبي، عبدالرحمن البرقوقي، بيروت: دار الكتاب العربي 1407 هـ/1986، جـ 4، ص ص 272 ـ 280.

4 ـ الحمام: الموت.

5 ـ الرجام: القبور، مفردها: جم.

6 ـ الحزون: ما غلظ من الأرض، وقلما يكون إلا مرتفعا.

7 ـ الجمام: الراحة (ومنها الاستجمام).

8 ـ قتام: غبار الحرب.

9 ـ العليق: يقصدة المخلاة التي تعلق في رأس الجواد.

10 ـ راقصات: أي الإبل التي تسير راقصة، والرقص ضرب من الخبب. اللغام: زبد يخرج من فم البعير.