تاريخيا الكرة الأسبانية تأتي في المرتبة الرابعة أو الخامسة أوروبيا من حيث القدم لكنها تنافس كلا من الدوري الإنجليزي والإيطالي حاليا من حيث الشهرة العالمية. ويعود تاريخ الكرة الإسبانية إلى أواخر القرن التاسع عشر والفضل مرة أخرى للإنجليز في وصول هذه اللعبة إلى شبه الجزيرة الإيربيرية (إسبانيا والبرتغال)

وارتبط تاريخ كرة القدم في أسبانيا بأحد رجال الأعمال الإنجليز الذي أسس شركة ريوتينتو في هويلفا في إقليم الأندلس جنوب غرب الساحل الإسباني. ولم تمض فترة طويلة حتى استقدمت هذه الشركة المئات من الإنجليز للعمل فيها وهؤلاء بالطبع جلبوا معهم كرة القدم. وفي سنة 1878 أسس عمال هذه الشركة فريق "ريو تينتو" على اسم الشركة، وكان هذا الفريق في تلك الفترة يتشكل فقط من الإنجليز لكنه تحول فيما بعد إلى فريق إسباني بالكامل وتغير اسمه إلى (ريكرياتيفو دي هويلفا Club Recreativo de Huelva ) وكان هذا في سنة 1889 وهو أقدم فريق كرة قدم في إسبانيا، وانتشرت اللعبة بعد ذلك في عدد من المناطق الصناعية في البلاد كمنطقة إيرون وخيخون وإشبيلية ولاكورونيا وفالنسيا وأيضا في عدد من الجامعات وأصبح الكثير من الطلبة والعمال الأسبان يمارسونها في الأزقة وفي الساحات الخضراء.

ومن الفرق العريقة كذلك فريق بالموس العريق الذي تأسس في سنة 1898 وبعده بسنة واحدة تأسس العملاق برشلونة. لكن الملاحظ أنه ورغم انتشار اللعبة في كل إسبانيا إلا أنها لم تصل بعد إلى منطقة الوسط وخصوصا "الكاستيل".

وبسبب تزايد شعبيتها وارتفاع عدد الأندية الممارسة لها أُعلن عن انطلاقة بطولة كأس الملك الإسباني التي أطلق عليها أولا اسم (كأس الملك ألفونسو الثامن) ثم تغير الإسم تبعا لتغير الأوضاع السياسية إلى أن استقر مؤخرا على اسم كأس الملك Copa del Rey وأول بطل لهذا الكأس كان فريق فيسيكيا الذي تغلب في النهائي على برشلونة بـ 2-1 في سنة 1902وهي السنة نفسها التي شهدت ولادة العملاق الإسباني والعالمي فريق ريال مدريد والذي أطلق عليه أولا اسم ((نادي مدريد لكرة القدم)) ثم منحه الملك الإسباني ألفونسو الثامن سنة 1920 اسم ريال ليصبح ((ريال مدريد)) وفي سنة 1913 اجتمعت العديد من الاتحادات الإقليمية في كل إسبانيا وأعلنوا ولادة الاتحاد الإسباني لكرة القدم الذي كان أساس ولادة أشهر الدوريات في العالم ( الليغا الإسبانية)).

وتأخر انطلاق الدوري الأسباني بسبب الكثير من الخلافات التي طبعت العلاقة بين الاتحادات الإقليمية المسيطرة على النسيج الكروي الأسباني وأهمها منطقة الوسط (عاصمة مدريد ونواحيها) ومنطقة كاتلونيا وإقليم الباسك. وجاء موسم 1928-1929 ليكون أول موسم في تاريخ دوري الدرجة الأولى الإسباني وشهد مشاركة عشرة فرق هي (برشلونة، وريال مدريد، وأتلتيك بلباو، وريال سوسيداد، وأريناس دي غيتسو، وأتتلتيكو أفياسيون، (أتلتيكو مدريد فيما بعد) وريال إسبانيول، وسي دي أوروبا، وريال خيخون، وراسينغ سانتاندير) وحقق فريق برشلونة العريق أول لقب في تاريخ الليغا. ويذكر أن ريال مدريد صرف مايعادل 3500 دولار من أجل استقدام الحارس الشهير زامورا وهو أقل مما كانت تصرفه الأندية الإنجليزية على شراء اللاعبين في النصف الأول من القرن العشرين.

لكن جاءت الحرب الأهلية وعهد الديكتاتور فرانكو ليفسدا فرحة الإسبان بالليغا وتوقف الدوري لثلاث سنوات ابتداء من 1936 إلى 1939، وكان فريق أتلتيكو أفياسيون هو أول من حقق اللقب بعد استمرار الدوري ثم بعد ذلك غير هذا الفريق اسمه أفياسيون إلى مدريد ليصبح اسمه (أتلتيكو مدريد) وهو أحد أشهر الأندية الإسبانية والأوروبية. وتدرج عدد الأندية الإسبانية من 14 في الأربعينات إلى 16 في فترة السبعينات إلى أن وصل العدد إلى عشرين ناد حاليا. وبشكل عام سيطر ريال مدريد وبرشلونة على معظم ألقاب الدوري مع حضور قوي لأتلتيك بلباو وأتلتيكو مدريد، كما برز في تاريخ الكرة الإسبانية الكثير من الأسماء التي مازالت تذكرها ذاكرة الكرة العالمية كزامورانو ودي ستيافنو وبوشكاش وكوبالا وبعد ذلك سنتيانا وميشال وبوتراغينيو وستويشكوف وكويمان وروماريو وحاليا زيدان وكارلوس وفيغو وبيكهام وكثير من النجوم آخرهم النجم الإنجليزي أوين الذي انضم إلى قافلة فريق الأحلام المدريدي.

خصوصية إسبانية

تمتاز الكرة الإسبانية بخصوصية في قوانينها المنظمة للصعود والهبوط في كل الدوريات المنضوية تحت الإتحاد الأسباني لكرة القدم. فمثلا نجد في دوري القسم الأول 20 فريقا. وهذا رغم أن جدلاً واسعاً مازال مستمراً حول ضرورة تخفيض هذا الرقم إلى 18 كما كان قبل سنة 1988، ويذكر أن أزمة حقيقية وصلت إليها الكرة الإسبانية حين وصل عدد فرق الدوري سنة 1995 إلى 22 فريقا وهو ما خلق بلبلة في توزيع الفرق بين القسمين الثاني والأول، والسبب في هذه البلبلة أن الإتحاد الإسباني حكم على فريقين بالنزول بسبب عجزهما عن تقديم ضمانات مالية كبقية الفرق، وتدخل الإتحاد الأوروبي وهدد بخفض عدد الفرق الإسبانية المؤهلة لدخول تصفيات الكؤوس الأوروبية إذا لم يعالج الإتحاد الإسباني هذه المشكلة ويخفض عدد الفرق إلى عشرين كما كان قبل 1995، ولم تمض إلا سنتان حتى عاد عدد الفرق مرة أخرى إلى 20 فريقاً.

أما القسم الثاني فيتكون من 22 فريقاً ويطلق عليه وصف القسم الثاني أ، وفيما عدا ذلك أقسام الهواة وأولها القسم الثالث والذي يطلق عليه (القسم الثاني ب) ويضم أربع مجموعات ثم بعد ذلك القسم الرابع (المجموعات 1 إلى 20) .


ومنذ موسم 1999-2000 بدأ نظام هبوط الفرق الثلاث التي تحتل المراتب الأخيرة تهبط مباشرة إلى القسم الثاني أ، وتصعد مكانها ثلاث فرق . هذا بخلاف النظام القديم الذي كان يسمح بنزول فريقين مباشرة وفريقين آخرين يلعبان مباراتين فاصلتين ضد الثالث والرابع في القسم الثاني.

بالنسبة للأقسام الأخرى فتهبط الفرق الأربعة التي تحتل مؤخرة القسم الثاني أ إلى القسم الثاني ب وتصعد مكانها أربعة فرق (يتأهل أول فريقين من كل مجموعة من المجموعات الأربع المكونة للقسم الثاني ب وتلعب الفرق الثمانية مباريات فاصلة من أجل تحديد أربعة فرق تتأهل مباشرة إلى القسم الثاني أ.

ومن أبرز ما يلاحظ على الدوري الإسباني أن للفرق الكبرى كريال مدريد وبرشلونة فرق رديفة تلعب في القسم الثاني ويطلق عليها وصف برشلونة ب وريال مدريد ب وتبدأ الأقسام السفلى إلى أن تصل إلى القسم الثاني، لكن لا يسمح لها بالصعود إلى القسـم الأول إذا حققت لقب دوري القسـم الثاني ألف وهو ما حصل مع فريق الرديف لريال مدريد في موسم 1979-1980 ، حيث حقق لقب الموسم وكان يضم ميشال وبوتراغينيو وسانشيز لكنه لم يستطع اللعب في القسم الأول بسبب القوانين الإسبانية التي تحظر هذا الأمر واضطر للبقاء في القسم الثاني، إلا أنه ومن أطرف ما حصل في الكرة الإسبانية أن هذا الفريق الرديف لريال مدريد تواجه مرة في كأس إسبانيا مع فريق الريال أ لكنه انهزم بـ 6-1 ويسمح للاعبي الرديف الأقل من 23 سنة فقط بالانتقال إلى الفريق الأول، لكن لاعبي الفريق الأول لا يسمح لهم بالالتحاق بالفريق الرديف كما حصل في إنجلترا.

عمالقة وأقزام (الديون تثقل كاهل الفرق الكبرى)

تسيطر لغة المال والأعمال على معظم الأندية الإسبانية وخاصة الكبرى منها، وإن كانت في الماضي تقتصر على ناديين أو ثلاثة كريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو مدريد فقط، فقد توسعت اليوم لتشمل أندية أخرى كفالنسيا وديبورتيفو وسوسيداد وأندية أخرى، لكن تبقى بالطبع السيطرة المطلقة للعملاقين برشلونة والريال.

الظاهرة التي باتت تقلق الإسبان خلال المواسم الثلاثة الماضية هي إفلاس بعض الأندية الصغيرة كما حصل مع أوفيدو وأوساسونا قبل موسمين، وأي ناد يريد أن يستمر في دوري الدرجة الأولى لم يعد مطلوبا منه اللعب بشكل جيد فقط وإنما أيضا توفير ميزانية قادرة على حمايته من الإفلاس.

وربما هذا يفسر الديون الكبيرة التي تثقل كاهل الفرق الكبرى كريال مدريد الذي يعاني من أكثر من 120 مليون دولار كديون خاصة بالنادي إضافة إلى الأمور المالية الأخرى، ورغم شهرة النادي الواسعة إلا أنه لا يستطيع دفع كل هذه الديون، لكن بعكس الفرق الصغرى فهو محمي من الإفلاس لسبب وحيد هو أن ريال مدريد أو برشلونة هما أكثر من مجرد ناد لكرة قدم فقد تحولا إلى رمزين لكل إسبانيا، وبقاؤهما أصبح مهمة الجميع، هكذا ينظر الإسبان إلى هذين الفريقين، وهذا ما جعل رجال الأعمال يحمونهما في أكثر من مناسبة.

لكن الملاحظ أن عائدات هذه الفرق لا تسد حتى نفقاتها ناهيك عن تحقيق أرباح، وهذا ما يهددها بأزمات مالية خانقة، فعائدات الريال مثلا لا تسد إلا الربع من مصروفاته وهذا يجعل ديون النادي ترتفع والأمر نفسه ينطبق على فرق أخرى كبرشلونة وفالنيا وديبوتيفو، ويقال إن شراء اللاعبين والصفقات الخاسرة وعجز الريال مثلاً عن تحقيق أي إنجاز خلال الموسم الماضي قد أحرج وضعيته المالية خصوصاً وأنه صرف أموالاً طائلة على نجوم كبار كزيدان وبيكهام وفيغو ورونالدو وهؤلاء جميعا يتقاضون أعلى الأجور الشهرية مقارنة ببقية لاعبي الكرة في أوروبا والعالم.