النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: طرق الابواب الصامته

  1. #1
    مشرف سابق

    تاريخ التسجيل
    Apr 2006
    الدولة
    ` Maze `
    المشاركات
    15,963
    معدل تقييم المستوى
    16

    Asl طرق الابواب الصامته

    [align=center]إلى كل العارفين والمتغافلين عن القيام بواجباتهم

    لا يزال جالساً في مقعده كبندول الساعة القديم عند غرفة الانتظار تتحرك عينيه يمنة ويسرى تشق صفوف المراجعين، يدخن سيجارة تكاد تشتعل بصدره ويحبس أنفاسها بداخله لفترة تكاد تطول فيبث رمادها في روحه.. يقلب نظره ذات اليمين و ذات اليسار يرمق المراجعين من حوله.. وشئونهم المختلفة..

    تقدم منه صغيره الذي خرج للتو من غرفة انتظار النساء:

    - بابا.. ماما تسأل هل بقي وقت طويل، لقد تعبنا من الجلوس هنا

    يزيحه برفق عن وجه السيجارة لكي لا يؤذيه دخانها

    - قل لها تصبر قليلاً بقيت 10 دقائق ويأتي دورنا

    - أنا متعب...

    طبع على رأسه الصغير قبلة حانية

    - لا بأس سنعود للبيت حالاً

    الحزن سرمدي طويل في ملامح حياته منذ أن تلونت بلونها الرمادي.. امرأة مبتورة اليد مبتورة الرجل مقرحة الفؤاد وأطفال صغار حولها يبحثون عن رعاية وحنان.. لا يمكنها أن تصنع شيء لا لنفسها ولا لزوجها ولا حتى لأطفالها... بعد أن أصيبت في حادث بسيط بسبب ماس كهربائي أدى إلى اشتعال مجفف الشعر فيها ففقدت على أثره ساق ويد... إنها تعيش اليوم بجسد آخر مختلف عنها... لكن لا شيء يكون مهم في غيبة الحواس... وبقايا امرأة ملت الحلم وأثقلها الانتظار الطويل وتبريراته..

    هل كانت غمامة حزن تلك التي عبرت عليهم ذاك اليوم بعد أن شطرت أحلامهم إلى أجزاء لا يمكنهم جمعها ولا حتى إصلاحها...

    افكاره تحدثه الآن...

    - أخشى أننا نعيش مرحلة مماثلة لحياة الفزاعات في الحقول تنتظر من الطيور أن تحط فوقها لتحرك أجراسها بشيء من الأمل حتى لا يقتلها الانتظار

    يراقب زوجته من بعيد...

    إنها تنتظر بصبر... أو هكذا تحاول أن تبدو أمامي... ترى في أي سلام ترقد روحها الآن حين ترسل أفكارها بعيداً عني... جرحُها لم يتماثل للشفاء بعد... تخفي عني أحياناً معالم وجهها خلفَ كفِّها الوحيدة، ورغمَ مرور عام ونصف العام على الحادث إلا أني لا أزالْ أسمعها تصرخُ داخلي بألم حين تزداد الأمور سوءاً

    عاجزة... أصبحت عاجزة...

    حين عُدت ذاك اليوم للبيت وجدتها تبكي مع هذا الصغير في الغرفة وهي تحاول تبديل ملابسه... ويبدو أنها لم تفلح في الأمر معه، لذا كانت تبكي وهي تتحسس مواضع ما فقدت من جسمها فجأة، وبطبيعة الحال كان صغيرها يحاكيها في البكاء...

    قصيدة مؤلمة كانا يعزفان أوتارها الحزينة فوق مشاعري التي اهتزت معهم بالبكاء دون أن يدركا وجودي بقربهما... لم أستطع القيام بشيء لهما ففضلت أن انسحب بهدوء لأني كنت عاجزاً أنا الآخر.

    العجز آفة.. لكنه ليس من صنع أيدينا.. ونحن لا نختاره فعلاً تماماً كما لا نختار قدرنا.. قدرنا الممزوج بحياتنا، بعالمنا بما نحب ونكره.. وبما نعتقد أننا نؤمن به..

    من الصعب أن تنتظر طويلاً وأن يكون انتظارك مشفوع برحمة تستجديها من الآخرين قد يواتوك بها وقد لا يفعلون غالباً !!

    - من يمكنه أن يقدم لها شيء إذاً إن لم تستطيعوا أنتم؟

    هكذا سألت الطبيب الذي أعطاني التقرير النهائي بعد أن فحص رجلها المصابة... هزّ كتفيه عاجزاً هو الآخر

    - أنت تعرف يا سيد عبد الكريم أننا لا يمكننا القيام بشيء لزوجتك... حالتها تبدو صعبة، وأمرها يتطلب تدخل شخصية لها وزنها يمكنها أن تحل الكثير

    - ....

    - أنا أنصحك أن لا تتعب نفسك طويلاً، فلن تجني سوى وعود وتوصيات لا طائل من وراءها

    قلت بغضب يحرقني:

    - من يمكنه أن يساعدني إذاً... وها أنا حتى الآن في دورة مستمرة بين المستشفيات ووزارة الصحة وبين سؤال الوجهاء والنبلاء والتردد على الشخصيات المعروفة والجمعيات الخيرية للمساعدة...

    هز رأسه غير قادر على تفعيل الموقف، فعدت لأقول بانزعاج:

    - لم أصنع قدري بنفسي ولا صنعته هي أيضاً، ولم أخلق من أطفالي أيتام وأمهم لا تزال تتنفس معهم في البيت

    ووجدتني بكل مقاييس الغضب أثور بعنف ولأول مرة منذ حصول الحادث وألعن الأشخاص والأشياء من حولي، وكل الأموال والسلطات التي تسمع وتعرف ولكنها تُحجم عن صناعة شيء لي... شيء يُعيد لي إحساسي بكرامتي وكرامتها كإنسان يعيش وسط من يتغنون بالإنسانية والرحمة، وبين عالم يعرف جيداً أن الإنسان أصبح لا قيمة له إن لم يخدم مصالح معينة.

    لم يجبني الطبيب رغم دخول الممرضة هلعة واحتشاد جمع كبير من المراجعين على باب العيادة، وبالرغم من صراخي فقد كان متفهماً للأمر تماماً، فحاول تهدئتي بنبرة حانية

    - اسمع.. أنا أفهمك وأقدر حالتك لكن ما بيدي كطبيب صنع شيء لها، فزوجتك تزداد سوءاً وعظامها تتآكل إن لم تجد حلاً سريعاً لساقها، هذا غير آلام الظهر التي ستصبح مزمنة إن استمر الوضع على ما هو عليه... مؤكد أن لها علاج لكنه ليس هنا.. يمكنها أن تمارس دورها كإنسانة وكأم،هذا ما يمكنني تأكيده لك.. ولكن هل لديك سلطة تدفعها للعلاج بالخارج؟!

    تحولت عنه إليها لأساعدها على النهوض وفي داخلي تنمو براكين الحقد والثورة التي تصورت أنها يمكن أن تحرق هذا المبنى كله في لحظات.. قلت له:

    - وماذا تنتظرون لتتحركوا.. أن تصابوا ببلاء مثلي فتشعروا بما أعاني؟

    - ألـ ....

    أراد أن يتحدث.. فقاطعته بكلماتي وأنا أقترب من الباب

    - لستم مثلي ولن تكونوا.. أنا رجل فقد استقراره كله دفعة واحدة حين أصيبت زوجته في ذاك اليوم المشئوم بحادث عادي كان له أن يقول كلمته على حياتنا وأن يشطر أجزاءها ويبعثر أحلامها... وها أنا ذا أقرع بوابات الضمائر العالية وبصوت عالي فلا أحد يجيبني... وكانت كل طرقاتي تعود لي خائبة فلا تجاب بغير الصمت..!

    لم تكن كلماتي للطبيب سوى تعبيراً عن اختناق الأمل في عالم لم يعد يرسم خطوطه أو يعرف أن يلونها بغير الأفق المحدود والضيق المعهود... لطالما تمنيت أن يشكل نفوري صوتاً يمكنه أن يوصل شيئاً للعارفين أو المتغافلين بنشر حياة مجروحة تنتظر أن يختم أحدهم جراحها بشيء من الرحمة التي يدَّعونها.

    الكل هنا يدلي بدلوه في قصتنا.. وكأنه ينشد قصيدة حزينة لا تنتهي أناتها بغير التصفيق.. لأبقى وحدي أداري وجعي وألملم أطفالي من حولي وهي بقربي.. أستمع لنشيجها وحسراتها المستكينة تحيطني وتكبلني.. تقيدني.. وتزلزل كياني كله.. وتصنع مني رجل عاجز لا يحسن شيء غير الركض خلف الأبواب الموصدة..

    أظنني أتوقف لحظات بعد أن يتعبني اللهاث.. ويضنيني السهر والتفكير.. يقتلني بكاءها كل يوم وتوسلاتها ترتسم على مناماتي فلا أمتلك غير الغضب.. أكبحه فلا يستجيب لي.. أطلقه ليصنع شيء فيتعثر أمام عجزي وأمام صمت القادرين..

    لا يزال «عبد الكريم» حتى هذه اللحظة يطرق أبواب الرحمن يستنطق الضمائر الصامتة وينتظر الفرج.. لم يكل ولم يمل.. لأنه يعرف أن هناك أمل وإن بدا خابيا، وأن هؤلاء القادرين الذين يتجاهلون وجعه ما هم إلا أشخاص مثله قد تطحنهم مأساة موجعة ذات يوم فلا يجدون من يستجيب لوجعهم.

    :

    HAMSA[/align]

  2. #2
    الله يرحمها ويغفر لها


    تاريخ التسجيل
    Mar 2006
    الدولة
    مصر المنيا
    المشاركات
    3,324
    معدل تقييم المستوى
    4

    افتراضي

    شفاها الله وعافاها

    شكرا على قصتك المؤثرة

  3. #3
    ... عضو ذهبي ...


    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    المشاركات
    750
    معدل تقييم المستوى
    1

    افتراضي

    تسلم يا الغالي على القصه الروعه

المواضيع المتشابهه

  1. دوري أبطال آسيا على الابواب...!!!!!
    بواسطة العيناوي بوخالد في المنتدى الرياضة
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 04-03-2007, 04:09 PM
  2. مع ها الابوات راح تكتشفي انك مودمازيييل
    بواسطة كليوبترا في المنتدى عالم حواء
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 28-12-2006, 01:21 AM
  3. العطلة الصيفيه على الابواب الى اين يا أحباب
    بواسطة عبادي يهبل في المنتدى الارشيف
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 07-06-2006, 01:56 AM
  4. تجنب هذه الابواب بالاعمال الصالحه
    بواسطة موناليزا في المنتدى الارشيف
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 17-07-2005, 11:28 PM
  5. الشتــــــا على الابواب..
    بواسطة عذاب الـ ع ـين في المنتدى عالم حواء
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 22-12-2004, 12:36 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52