صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 5 من 11

الموضوع: الحصاد المر

  1. #1
    ][..قــلم مبــدع.. ][


    تاريخ التسجيل
    Oct 2005
    الدولة
    بيروت - لبنان
    المشاركات
    353
    معدل تقييم المستوى
    1

    Unlove الحصاد المر

    الحصـاد المـر
    الحياة دمعة وابتسامة؛ هكذا هي الحياة، لكنها كانت على عبد الرحمن دمعة دائمة دون أن تعرف الإبتسامة، أو أن تصادف من يكفكفها عن مقلتيه.
    عبد الرحمن ربٌ لأسرة جاهد في سبيلها بما كان من المستطاع لديه. ولإستكمال هذا، إنتقل من إحدى قرى جبل عامل في جنوب لبنان إلى المدينة التي لم يحمل إليها من متاع الدنيا سوى إصراره على مصارعة الفقر والعوذ وأمل في الله عزوجلّ أن ينصره على وفقره رحمةً بعائلته.
    رافقت عبد الرحمن بالإضافة إلى أولاده زوجةٌ كانت له الشريك الدائم في صراعه الطويل على دروب الحياة الصعبة بحلوها ومرها.
    مرت الأيام والسنين طويلة حتى أصبح فيها الأبناء رجالاً يعتمد عليهم في تحدي القدر. عندها آمن عبد الرحمن أنه أصبح اليوم في مأمن من غدرات الزمان، ونبتت له أذرع طويلة وصلبة يصارع بها ويحطم بقبضاتها قيود الفقر والذل والعوذ الذي خاطبه الإمام عليبن أبي طالب(ع) بقوله:«لو كان الفقر رجلاً أمامي لقتلته بسيفي هذا». لكن ليس كل ما يشتهيه المرء يدركه، وتجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
    هذا ما جرى لـ عبد الرحمن حين تقدم به العمر وأصبح بحاجة للراحة ولنظرة وفاءٍ وتقدير وعرفان بالجميل من أبنائه يقدمون من خلالها بعض ما قدمه لهم هذا الكهل العنيد بوجه الزمن.
    لكنه لم يعرف للراحة طعماً، لم يشعر بتلك اللمسات الحنونة التي طالما إنتظرها من أبنائه وخاصة من باكورتهم «عمـر» الذي كان القدر معه أفضل حالاً من والده رغم أنه مارس أبشع أنواع العقوق بحق والديه، لكن الدنيا قدمت له الكثير من ملذاتها مكافأة له على ما قدمه لوالديه وأصبح من كبار موظفي إحدى المؤسسات الهامة في العاصمة.
    أولى خطوات عمر في مشواره مع والده، أن عرض عليه عملاً في المؤسسة التي يديرها بصفة حاجب، كي يتهرب من مسؤوليته المادية اتجاه هاذين الشيخين. ولم يكن من عبد الرحمن الذي تفاخر طوال حياته بعزة نفسه التي لا ي ملكها غيرها في هذه الدنيا الفانية، لم يكن أمامه إلا قبول عرض ولده شاكراً ربه على نعمته عليه في السراء والضراء.
    مرت الأيام ثقيلة وطأتها على كاهل كهلٍ صارع وما زال القدر يصارعه. لكن الألم بطعمه المر زادت مرارته كل يوم وهو يصارع العمر أمام ناظري ابنه عمر.
    كان عبد الرحمن يستيقظ يومياً باكراً مع بزوغ الفجر ليبدأ فصلاً جديداً من فصول العمر المرير الذي ذهب منه الكثير ولم يبقى إلا القليل. مع كل صباح كان مع زوجته يطلقون الآهات دون أن يسمع الواحد منهم آهات الآخر. كانت آهاتهم تأتي بنظراتٍ من خلف دموعٍ تحتبس داخل أعينهم.
    عبد الرحمن : صباح الخير يا زينب.
    زينب : صباح النور؛ إشرب قهوتك يا أبا عمر، ما زال الوقت باكراً.
    عبد الرحمن : الطريق طويلة، والطقس جميل سأذهب سيراً.
    زينب : إرحم نفسك، لعن الله ابو الفلوس، إذهب في السيارة، أم إنتظر سائق ابنك عمر، وتذهب معه.
    عبد الرحمن : عمر يتأخر وليس مضطراً لأن يصل باكراً مثلي... أنت أعلم بالحال يا أم عمر، أراك بخير...
    هذه هي صورة من صور العذاب اليومي والحديث الصباحي بين أبو عمر وأم عمر. أما عمر كان ينتظر سائقه من على شرفته المشرفة على منزل والده يرشف قهوته الصباحية ويرى والده يخرج، ليقطع مسافة ساعة من الزمن سيراً على قدميه، شتاءً ببرده القارص، وصيفاً بحره المؤلم.
    ينزل بعد ها عمر ويمر على والدته كالإبن البار الذي يأخذ رضى والديه، قبل ذهابه إلى عمله، عملاً بالقول المشهور: «رضى الله من رضا الوالدين».
    عمر : صباح الخير يا أم عمر.
    زينب : صباح النور يا حبيبي. يا عمر ليش ما بتاخذ بيك معك بدل ما يروح مشي وهو رجل كبير.
    عمر : يا أمي هو لازم يوصل بكير قبل الموظفين لمكاتبهم.
    سكتت زينب، وبلعت مصيبتها داخل صدرها الذي يحوي قلبها الكبير الذي لا يعرف إلا الدعاء لـ عمر حتى ولو طعنه بيده. فؤادها الذي يتلقى طعنات حبيبه ولسان حاله يدعو لطاعنه بالتوفيق.
    هكذا كانت صباحات أم عمر بين حسرتها على رفيق عمرها وخذيها من فلذة كبدها.
    يصل ابو عمر إلى عمله لينظف مكاتب الموظفين ويمسح البلاط، وأول هذه المكاتب، مكتب ابنه عمر. كم هو شاق أن يمسح الوالد بلاط مكتب ولده بدل أن يستقبل فيه معززاً رافعاً رأسه بمنصب ولده.
    عمر : السلام عليكم يا أمي، وصل السائق عليَّ أن أذهب.
    زينب : الله يكون معك يا عمري.
    قالتها زينب بعينٍ باكية كئيبة على حال زوجها، وبقلبٍ لا يستطيع إلا أن يطلق الرضا والدعاء لنور عينها عمر.
    حال أم عمر، كحال أبو عمر، الذي يصل المؤسسة قبل أن يصلها أحداً قبله، ولا يسمع فيها سوى صدى أنفاسه التي تشارك دموع عينيه في مسح بلاطها، وتنظيف مكاتبها وتحضير القهوة والشاي للموظفين الذي يذهب أحياناً لإحضار الفطار لهم من المخبز القريب. كل ذلك كان لأبو عمر شرفٌ في إستكمال مشوار العمر، وطريق الجهاد الأكبر في سبيل عائلته وقوت يومه.
    أليس هذا الجهاد: «بابٌ من أبواب الجهاد في سبيل الله».
    هكذا أصبحت الدنيا سوداء بعيني أبو عمر بعد أن عاشها بلونها الرمادي، ولم يرها يوماً بلونها الأبيض، حيث كان يعزي نفسه دائماً أن بياض الحياة لن يكون إلا مع رجولة عمر وإخوته.
    لكن القدر بدل أن يحول الرمادي إلى أبيض، حوله إلى أسود داكن، عندما مسح بلاط مكتب ولده أو عندما قدَّم الشاي لزوار مكتب حبيبه الذين يعلمون أنه والد عمر، صاحب المكتب، بدل أن يجلس معهم مستقبلاً لهم في مكتب ابنه، ويُقَدَمْ له الشاي مثلهم، كانت الدنيا تدور بأبو عمر حين كان يحمل الشراب الساخن والفطور لإبنه كخادم، وليس كوالد، كان يقدم السخن له ليدفئه، بينما يسير تحت المطر مسافة ساعة من الزمن كل يوم، مع ساعات الفجر الأولى الباردة كبرودة كقلب ابنه عمر.
    هكذا حصد عبد الرحمن غلاَّل مشوار العمر. حين تلقى أبشع أنواع العقوق من أبنائه الذين نسوا معاناة والدهم الفلاح، العامل في ميناء بيروت، بائع الخضار في شوارع العاصمة.
    عقوق عمر وأشقائه الذين نسوا معاناة والدتهم المزارعة في حقول القمح، وكروم الزيتون، وعاملة الصاج في القرية.
    نسي عمر كل ذلك وجلس وراء مكتبه، وتناول فنجان الشاي الساخن من يد والده الساعي في مكتبه دون حياء من أن هذا الساعي الذي يقدم الشاي له ولضيوفه ليس سوى والده عبد الرحمن، ولا يهم عمر أن جميع الموظفين الذي يرأسهم يعلمون أن ساعي مكتبه هو في نفس الوقت والده.
    أخيراً؛ وبعد تلك الرحلة الطويلة مع الحياة الشاقة، والحصاد المر، رحل عبد الرحمن وزينب، في رحلتهم الطويلة إلى جوار الرحمن.
    أما عمر فذهب لزيارة بيت الله الحرام، لقضاء فريضة الحج. والله سبحانه وتعالى أعلم ما في النفوس، كما قال الإمام زين العابدين (ع):
    «ما أكثر الضجيج وما أقل الحجيج، ما حججت إلا أنا وناقتي ورجلٌ من البصرة».

  2. #2
    ... V I P...


    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    الدولة
    في عالم خيالاتي
    المشاركات
    7,326
    معدل تقييم المستوى
    8

    افتراضي

    قلـــــب من حجــــــر..

    وعـــــــديم الاحـــــــساس..

    ولن أقــــــول غيــــــر لاحول ولاقوة الابالله..

    مااذاحــــــدث بدنيا....ابن لايعــــــــــرف الـــــــرحمه..

    قصـــــــــه تـــــــــألم القلـــــــــــــب..

    يعــــــــــــطيكــــــ الـــــــــــعــــــــافيه....

    تــــــــــحيتي..

    صمــــــــت الـــــــودااع

  3. #3
    ][ ابن القريــة ][


    تاريخ التسجيل
    Mar 2006
    المشاركات
    1,593
    معدل تقييم المستوى
    2

    افتراضي رد

    ((( يالله مااتعس البشر ....

    فقط ...

    عندما يبعدون عن الله ...

    قمة الألم والحزن هنا )))

  4. #4
    ... عضو نشيط ...


    تاريخ التسجيل
    Jun 2005
    المشاركات
    117
    معدل تقييم المستوى
    1

    افتراضي

    شكرا لك اخي ع النقل

    وعلى القصة المؤلمة والمحزنة

    لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

  5. #5
    كبآآر الشخصيآت

    تاريخ التسجيل
    Jul 2005
    الدولة
    عند أهلــــي وربعي
    المشاركات
    26,434
    معدل تقييم المستوى
    27

    افتراضي

    لاحول ولاقوة الا بالله

    والله يجعلنا من البارين بوالدينا

    والله يعطيك العافيه اخوي صالح

    واتمنى للجميع النجاح والتوفيق

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. نشكو من الحصاد ونحن الزارعون
    بواسطة ♥مشاعل♥ في المنتدى الارشيف
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 06-11-2007, 12:56 AM
  2. الوهم المر...
    بواسطة المشــ صمت ــاعر في المنتدى قصائد وخواطر
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 25-08-2006, 03:25 AM
  3. الوهم المر...
    بواسطة المشــ صمت ــاعر في المنتدى الارشيف
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 22-08-2006, 06:35 PM
  4. كؤوس المر...
    بواسطة صدى الصمـت في المنتدى قصائد وخواطر
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 04-04-2006, 03:41 PM
  5. يوم الحصاد
    بواسطة moonlight في المنتدى قصائد وخواطر
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 21-02-2005, 04:36 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52