النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: العمل الدؤوب

  1. #1
    ... عضو جديد ...


    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    4
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي العمل الدؤوب

    جايبتلكم رواية جديدة انشاء الله تعجبكم



    ... العمل دؤوب للغاية، ... أشبه بمملكة نحل، والممرضات يَقُمْنَ بالواجب على خير حال، ...الموقع المشاهد الآن هو مكتب الممرضات - الكاونتر - ...وهناك فتاة منهمكة في عملها إلى أذنيها، ولا تجد فُرصَة ولو صغيرة لتنظر إلى الغادي أو الرائح من أمام (الكاونتر) .
    لم تجاوز تلك الفتاة الثالثة والعشرين ولكن يبدو عليها سمْتُ كبار السن ودِقتُهم المتناهية في العمل.
    ...زيُّها محتشم غاية الحشمة وعندما تُكلِّم أيما رجل فإنها بعملية غير إرادية تُطرق ببصرها إلى الأرض، ..ويبدو أنها حقاً خجولة، ..إنها هنا تشغل وظيفة «رئيسة الممرضات» ...ولديها من الأعمال الكثير، ...جَدْولة لحالات المرضى، ورصد بياناتٍ بمدى التطور في علاجهم ...وتقييم للممرضات في أعمالهن، ...الملفت للنظر أنها تبدو سعيدة بعملها هذا، وتمارسه بكل أريحيَّة.
    ...في أثناء انهماك تلك الفتاة في عملها ، دخل حمدان حائراً... إنه يريد أن يسأل أي إنسانٍ له خبرة بالمستشفى، عن موقع سرير والده.
    ...ولابدَّ من الذهاب نحو «الكاونتر» وسؤال الممرضة الموجودة هناك ...(الكاونتر) يوجد به ممرضات من الفلبين ويوجد فيه ممرضات من أهل البلد... في الغالب يتجه السائل إلى الممرضة الفليبينية لسؤالهما، منعاً للإحراج أو دَفْعاً للريبة...
    لسوء الحظ أو لحسنه!! (الأمر يرجع لحمدان)، كانت جميع الفلبينيات مشتغلات بأعمال هامة، ولم يكن من أحد ليقدم الخدمة له، سوى الفتاة سالفة الذكر، وتدعى ريم.
    - (لو سمحت)
    - (نعم)
    - (ممكن أن أسأل عن سرير ())
    - (في أي وقت دخل للمستشفى)
    - (صباح الخير)!! ... أقصد... (صباح اليوم)
    ... كل هذه المحادثة تتوالى... وريم منشغلة بتقليب أوراقها، ولم تنظر... ولو بنصف عين إلى حمدان، ...مما جعله يطمئن أكثر ويثني على أدبها في قلبه.
    ... بحثت ريم في أسماء الداخلين والخارجين... لم يكن الاسم مع المدوَّنين في الصفحة القديمة، ...أما بالنسبة للصفحة الجديدة فهي موضوعة على الرف الأعلى، ويلْزَم ريم الوقوف لقراءة الأسماء هناك.
    قامت ريم وقرأت الاسم المطلوب، وقالت بدون مبالاةٍ بشأن السائل... الغرفة (4) السرير (2).
    ...قد يتدخل اللاَّشعور في مواقف كثيرة... أو قد يُسمى الفضول غير المتحكم فيه... وهو تماماً ما حصل لريم ، لقد نظرت بدون شعور إلى وجه السائل، ..مما جعله يغضُّ طرفه، ..ولكن، بعد أن تلاقت العينان، ...ويقال أن للأعين لغة غريبة، ..لكنَّ لُغَتُها هذه المرّة كانت مثيرة غاية الإثارة...
    لقد كانت الدهشة واضحة على ملامح ريم، بمجرد رؤيتها لحمدان، ...ارتبكت ثم ألقت بنفسها جالسة على الكرسي، وأمسكت رأسها بيدها.
    ...بقي حمدان في موقعه، يُسائل نفسه عن هذا التصرف غير المتوقع، ...أعادت ريم النظر إليه ثانية، ...كانت هذه المرة أكثر تصويبا لنظرها... وأكثر تدقيقاً فيه...
    ...أحسَّ حمدان ساعتها بالخجل، وانسحب من هذا الموقف.
    ...هذا الموقف الغريب لم يمر على حمدان بسهولة، ولم يشأ أن يتناساه... وبعد انتهاء الزيارة عاد حمدان للمنزل وبقيت الفتاة وتصرفها المريب يَشْغَلُ قدراً كبيراً من تفكيره.
    ...في اليوم التالي، ومع بداية زيارةٍ جديدة أقبل حمدان وفي نفسه مكر،!! كان عازماً على البحث عن سر التعامل الغريب الذي تعاملت به الممرضة معه، أو بالأحرى رئيسة الممرضات... دخل حمدان للمستشفى، وقابل أباه وبعد أن اطمئن على صحته، وعلم أن العملية تأجلت للقيام بمزيد من الفحوصات لضبط السكر والضغط، خرج متجهاً نحو (الكاونتر) وكله أمل،
    ... لسوء حظه لم تكن الفتاة موجودة هناك، ..أحس بخيبة أمل كبيرة، إلا أنه عاد ثانية إلى والده... وبعد انتهاء الزيارة مرّ مرور الكرام على (الكاونتر) آملاً أن يراها، ولكن دون فائدة.
    السر يزداد تعقيداً في نظره... هل لتغيبها اليوم علاقة بنظرتها الغريبة له بالأمس، آلاف التوقعات والاحتمالات تجول في ذهنه... لم ينم تلك الليلة، ..وكان من بين خيالاته.. هل ارتبطت صورتي بصورة مجرم له ثأر مع عائلتهم، .. أو بشخص عاكسها أو غدر بها، ..هل ياترى تتهمني بأي تهمة...
    ..وربما داعبته عاطفته أكثر، كلما تذكر تلك العينين السوداوين للتين تبرقان جمالاً وصدقاً، ..وذلك الخمار الذي يَسْتُر الوجه، ثم يُبرز العينين كلؤلؤتين بداخلها أحجار كريمة، ..عندما لمحها بسرعة... أحسَّ بصفاء عذب يكاد يفوق كل صفاء... هل يا ترى أحبته أم أعجبت به... هل هو فارس أحلامها الذي طالما انتظرته، ..وستَسْتجْديه الآن أن يمسك بيدها، ويذهبا إلى بر الأسرة السعيدة، ..أوه إنه متزوج... ولكن ما يضير.. لاَمَ حمدان نفسه على هذه الخيالات، وترك الأمر للأيام كي تكشف السر الغامض.

    3 ــ (كلمات من غير ميعاد)
    في اليوم التالي ابتهج حمدان عندما رآها جالسة على كرسيها، ...يبدو أنها اليوم غير منهمكة في أيما عمل، ..لعلها تنتظره أو ربما تناسته، ..يجب أن يكون أكثر عقلاً واتزاناً، إن الأمور لا تُبشر بخير، ويجب أن يضرب الحساب لأسوأ الاحتمالات.
    دخل إلى غرفة والده وقبَّل رأسه وسأله عن صحته.. ثم جلس في كامل أناقته التي أعدَّ نفسه فيها من قبل، كان على شبه يقين من أنها ستحضر، بعد أن رآها خلسة وهي تنظر إليه عند دخوله.
    ...وما هي إلا لحظات ، وإذا بها تدخل، ..لم تنظر إليه ولم تُلق بالاً له، جعله هذا يصاب بخيبة أمل جُزْئية، وبعد أن سألت عن حال المريض نظرت إلى حمدان نظرات ذات معنى كبير، وسألته هل أنت ابنه؟
    قام حمدان مرتجفا وقال:
    - (نعم)
    - (ما هي أعراض مرضه)
    - (ليس مريض مطلقاً ولكن توجد مياه زرقاء في إحدى عينيه)
    - (من أي بلد أنتم)
    - (من الجنوب)
    ...كل هذه الأسئلة وعيناها مُدقِّقة في وجه حمدان الشاحب، والذي اضطر أن يُطْرِقَ به خجلا.
    قالت بعد ذلك:
    - (هل من الممكن أن تأتي معي (للكاونتر) للتوقيع على إجراء العملية)
    - (بكل سرور)
    .. وبعد أن جلست على المقعد وحمدان واقف أمامها سألته
    - (ما اسمك)
    - حمدان عامر المالكي
    قامت بكتابة اسمه كاملاً في ورقة خاصة، لم تكن مطلقاً ورقة القبول بإجراء عملية...
    - (رقم تلفونك)
    - (لا أتذكر، أنا أسكن في شقة مفروشة)
    - (اسم الشقق)
    - (لماذا هذه الأسئلة)
    - (لكي نتصل بك لو احتجنا أي أمر)
    خاف من صراحتها وتعاملها الجاف وأسئلتها الأشبه بأسئلة محقق... كاد أن يسمي لها اسماً وهمياً ولكنه لم يفعل ذلك...
    - (شقق... قباء)
    ... ماذا تعمل
    - (موظف في الشؤون البلدية بخميس مشيط)
    سلمته ورقة صغيرة كتبت عليها للتَّو رقم تلفون وقالت
    - (العصر الساعة الخامسة والنصف تتصل بهذا الرقم)
    - (من أجل أبي)
    - (تقريباً، إياك أن تنسى)
    - ....
    ... انتهى موقف يعتبر من أغرب المواقف التي مرت على حمدان وبدأ يشك في نفسه، .. بدا له أنه واقف أمام قاضي من الدرجة الممتازة في محكمة شرعية، ..تبخَّرت كل خيالاته في فارس الأحلام، التي منّا بها نفسه مسبقاً، وبدت له كوابيس مخيفة.
    ..تسلم الورقة، وتراجع خطوتين للخلف واستعد للهروب، ولكنها نادته
    - (حمدان)
    - (نعم)
    ...قالت مبتسمة وبصوت يقطر عذوبة. (إياك أن تنسى الاتصال.. أرجوك)
    ... أحس أن هذه الكلمات أزاحت عن نفسه كابوساً جاثماً على صدره صحيح أنه لم يَرَ ابتسامتها، ولكنه أحس أنها تبتسم.

    4 ــ (الاختطاف)
    أثناء بقاءه في المنزل وحساباته تذهب وتجيء، حمدان يفكر في الكلمات التي سيتحدث بها مع هذا المحقق الذي يلبس زي امرأة... هل سيصمت صمتاً مطبقاً ويكون جاهزاً لتنفيذ الأوامر، أم سيتحدث بما يجول في خاطره.
    ولكن ماذا تعني تلك الابتسامة، والكلمات الوادعة التي وُجِّهت إليه، ..قد تكون فتاة مسكينة، ولديها مشكلة وتطلب حلها، ..قد تكون فتاة تريد كلمة مواساة أو نصيحة صادقة، ..إن براءة عينيها تُزيل كل شك في كونها تخطط للسوء، ..ولماذا تسيء إليّ، ..وأنا بالذات!!
    ...وبعد أخذ ورد بين حمدان ونفسه، قرر أن يتحدَّث معها بلطف... سيبحث في خباياها... ويقف عند حقيقتها.
    ...وفي تمام الساعة المحددة كان جرس الهاتف يرن، لحظات، وإذا بالصوت ينقطع وتبدو ريم على السماعة وهي تقول:
    - (ألو)
    - (ألو.. خير ياطير... لماذا طلبت مني الاتصال في هذا الوقت)
    - (ماذا!! تبدو قلقاً... لا عليك... فقط معجبة، ...أنا معجبة بك وأريد أن أقابلك الليلة)
    - (أعوذ بالله... أنا رجل متدين، وأصلي في المسجد... ثم ما هذه الوقاحة والجرأة الغريبة من امرأة متحجبة،.. يجب أن يكون الحجاب خارجياً وداخلياً... يجب عليك إذا حَجَّبْتِ بدنك ووجهك أن تحجبي نفسك عن الحرام، ..أين الحياء والعفاف، صحيح، نساء آخر زمن، ..ثم ما هذا التغير المفاجىء لك، كنت في أول مرة أراك فيها، خلف خشبة الاستقبال حييّة مؤدبة، ..لاترفعين طرفك في أحد، ..يبدو أن شيطانك ألعن من أي شيطان آخر، ..أو ربما تكوني من أسرة غير محافظة... أو ربما أنت لست محافظة، يا أسفى على الصورة البريئة التي رسمتها لك في ذهني... بل يا أسفى على العينين اللتين تُطلِّين بهما من خلف البرقع وتبدوان كأصّدق عينين ويا أسفى على سمتك الأخَّاذ وجِدُّك في العمل... ويا أسفى على بسمتك الحانية.. وكلامك الحنون، ...ويا أسفى...»
    - «كفى، كفى، يبدو أنك طويل اللسان، ..أنا لا أسمح لك أن تتمادى في وصفي... لقد قبلت نصحك الذي أدليت به بادىء ذي بدء، ولكنك في النهاية سمحت لنفسك بالتغزُّل الماجن، يبدوا أنك لست من أسرة محافظة... أو يبدو أنك أنت لست محافظاً، ...يجب عليك أن تستحي وأن تُعِفَّ نفسك ولكنّ شيطانك يبدو ألعن بكثير من شيطاني».
    ...كان هذا الحوار الغريب هو فعلاً ما دار بين الشخصيتين (اللتين) تم تعارفهما بتلك الطريقة الغريبة.
    ...لقد تورط حمدان وتسرَّع في كل كلمة قالها،.. لعلَّه لم يكن مخلصاً في النصح،.. أو لعله لبس ثوب الناسك وفي قلبه خواطر أخرى جرت على لسانه بعد لحظات من سماع صوتها.
    ...ريم لازالت في الموقف المرتفع القوي أو بمعنى آخر لازالت سيدة الموقف... إلا أن حمدان طرب نوعاً ما لهذا المشهد، وازدادت رغبته في استكماله، ..قال عند ذلك
    - (آسف هل أخطأت!؟)
    - (اسأل نفسك، ..أولاً لماذا هذه النصيحة وكأني أكثر النساء فسقاً، ..بالله ما الذي دفعك لإيرادها، ..أم أنك تريد إخبارنا بطلاقة لسانك)
    - (أنت بدأت) ...هكذا أسعف لسان حمدان في موقفه ذاك،
    - (بماذا بدأت)؟
    - (ألا تذكرين ما قلت؟)
    - (وماذا قلت؟!)
    - (قلت أنك معجبة بي)
    - (أوه!!، وأنت تلقائياً فسرتها كما تريد، ..أليس من المحتمل أنني معجبة بك لبرك بأبيك، ..أو لأنك عند نظرتك إلي تطرق في الأرض، ..ألا يوجد تفسير عندك للأشياء غير الظن السيء).
    - (أنا آسف)
    - (لن أقبل أسفك إلا بشرط، أو ربما طلب، أريد منك تحقيقه)
    - (في المستطاع)
    - (نعم أنت بلا شك تستطيعه)
    - (تفضلي)
    - (ستأتي سيارة بعد قليل، ..إليك، على عنوان سكنك.. أريدك أن تحضر إلينا مع سائقها)
    - (ماذا!! أحضر، لماذا...!!)
    - (أنت ضيفنا هذه الليلة، أريد منك مقابلة الأهل والتعرف عليهم)
    - (وبأي مناسبة)
    - (انتهى... هذا وعد منك، ..ثق فيَّ يا حمدان ستجد ما يسرك)
    - (ما يسرني؟... أجده لديك!!... والله لا أدري).
    - (إياك أن تُخلف، ..إياك ثم إياك... سآتي بك من تحت الأرض)
    - (أعوذ بالله)
    - (في أمان الله...) ...
    مرت لحظات ثم أقفلت السماعة.
    ...قال حمدان ساعتها... (أيُّ أمان، وهذه المرأة تطاردني)
    ...قرر حمدان أخيراً حسم الموضوع، وإنهاء المشكلة... قرر أن يهرب من الفندق... ويخفي جميع آثاره، ..قرر فعل ذلك، ونزل مسرعاً مع الدرج، يجب أن يحسم هذه الترهات، إنه أكبر من أن يكون ألعوبة في يد فتاة،
    ...الدرج يُطوى تحت قدميه، وباب الفندق يقترب، ... ويقترب معه الهواء الطلق والحرية...، قد تكون فتنة يريد الله أن يبتليه فيها... لن يستسلم... لعل الشيطان هو الذي يطلب منه إكمال ذلك المشوار، الذي بدأته الفتاة، عليه أن يَسُدَّ الباب الذي تجيء معه الفتنه، ...حتى المستشفى لن يعود له ثانية إلا في الأوقات التي لا تكون الفتاة مناوبة فيها، أخوه سيحضر إلى هنا لزيارة أبيه، وسيبقى حتى انتهاء العملية، وهو سيعود إلى مسقط رأسه، أو سيذهب إلى مكة، المهم أن يرتاح من الهواجس التي بدأت تأكل عقله،.. فكر في أن يرجع للغرفة ليأخذ جميع أغراضه، ثم يُسلم مفتاح الشقة ...ويذهب للمطار، ثم يطير بعيداً عن الرياض، ولكن والده راقد على سريره، وأخوه لم يأت بعد... أين سيذهب الآن... أين؟!
    لا مشكلة سيبتعد عن الفندق، وهذا يكفي.
    1 ــ (أروقــة الدواء)
    الجو غائم بعض الشيء... والشمس تُبدي وجهها من بين الغيوم في روعة وجمال،... والأشجار المنْتشرة في أروقة المستشفى تقوم بدورها في سير دولاب الحياة على أحسن وجه،... ويبدو مستشفى الملك خالد للعيون قلعة حصينة تهوي إليها أفئدة المرضى الذين يبدو الأمل في علاجهم كبيراً،... أكثر المرضى هنا ممن ساءت صحة عينيه،... وكثير ممن غادر المستشفى بعد أن تلقى العلاج فيه ينعم الآن بنظر يؤهله لرؤية ما حوله بطريقة جيدة،. والقليل منهم فشلت جميع جهود العلاج في إرجاع البسمة إلى وجهه، والنظر إلى عينيه.
    الداخل الجديد مع باب المستشفى هو حمدان المالكي، إنه يدفع عربة تحمل رجلاً مسناً... بالطبع ليس ذلك المسن سوى والده،.. ويستطيع ذلك الشيخ المشي على قدميه، ولكن لمسافات أقصر، وذلك ما حَدَا بحمدان إحضار هذه العربة ليخفف عن والده مؤونة المشي.
    الوضع في المستشفى مستقر،... وفي غضون لحظات استطاع حمدان إنهاء جميع إجراءات التنويم، وستكون العملية لعيني والده غداً إنشاء الله، أو بعد غدٍ.
    حمدان طلب من البواب الذي وُضع مسبقاً لمنع الزوار من الدخول إلى قسم التنويم السماح له بمرافقة أبيه.
    ... ولكن كالعادة باءت كل المحاولات والترجِّيات بالفشل المتوقع، وكل من يُدخل نفسه في معمعة كهذه، حتماً سيصاب بنفس الفشل.
    عاد حمدان أدراجه للخلف، ثم استقبل جهة الشارع ليولي وجهه شطر أي جهةٍ، كي يقضي فيها زمنا في أيما عمل غير مفيد، إلى أن يدخل موعد الزيارة القادمة،.. مع العلم أن الساعة الآن العاشرة، وستبدأ الزيارة القادمة في تمام الثالثة عصراً.
    ركب حمدان سيارة أجرة وطلب من قائدها الاتجاه إلى أقرب فندق أو مركز للشقق المفروشة، ليمكث فيه طيلة اليومين القادمين، لأنه سيعود إلى أبها، وسيأتي أخوه الأصغر من جده ليُكمل واجب العناية بوالد الجميع.
    ... الموطن الأصلي لحمدان ووالده هو عسير، وبالضبط هم من سكان مدينة الخميس.
    ...مرّ الزمن بسرعة والساعة الآن أصبحت تشير إلى الثالثة تماماً، ... ووقت الزيارة سيبدأ بعد لحظات، ...وفي هذا الوقت يدخل حمدان مع الزوار المتزاحمين على البوَّابة.

    لا مشكلة سيبتعد عن الفندق، وهذا يكفي.
    ...أخيراً خرج من إطار البوابة، رأى الهواء الطلق، ورأى أشجار الشارع، وسمع عصفوراً يغرد، إنّها الحرية...
    رفع يده ليُوقف إحدى سيارات الأجرة... ولكن أمامه سيارة تقف وقفة غريبة، بداخلها شابان يَرْمَقان كل حركاته، ويبتسمان، ...نزل الشابان، ...كانا قمة في الأناقة تقدَّمتهما ابتسامتان، ..قال أحدهما مستفسراً
    - (الأخ حمدان؟)
    - (خيراً ماذا تريدان)
    - (أهلاً بك تفضل،)
    ..فتح الآخر باب السيارة... وبدون شعور دلف حمدان إلى المقعد الأمامي...
    وركب هذين الشابين ، وانطلقت السيارة، ..إنه الآن يعيش بشعور غريب، ..حبُ الفضول يدفعه لقبول هذا وأكثر، ..والخوف على حياته من كارثة، يجعله يحجم، ..والبداية تجعل منه شخصية محترمة جداً أشبه بحياة الأمراء، لأول مرة يعرف معنى الخدم والحشم، وكل كلمة يقولها يتقبلها الاثنين بالإعجاب... وكل كلمة يقولانها له يَتْبَعُهَا قول (طال عمرك) لم تمر سوى دقائق، وإذا بالسيارة تدخل فناء قصر جميل، غاية في الجمال تناثرت في جوانبه أشجار شتى، ...وهيمن صوت النافورة الكبيرة على الأجواء، والإنارة متعددة الألوان تنبعث هنا وهناك..
    ..أوقفت السيارة، وفُتح الباب، وسمع أحدهم يقول (تفضل طال عمرك مع هذا الباب)
    - (إلى أين)؟
    - (إلى الداخل)
    - (آه إلى الداخل)..
    قالها في شبه بلاهة ، (وإذا وقعت يافصيح...)
    ...بدأت اللحظة الحاسمة لمعرفة كل شيء تَدْنو، ..وبدأ حمدان يجرُّ قدميه للباب الرخامي، في قلق بالغ، كل شيء أمامه يبهره.
    وعندما أراد طرق الباب فُتح في وجهه تلقائياً، مما جعله يرجع خطوتين للخلف... هذا الباب يفضي إلى بهو كبير، أثاثه يبهر العقول، الثريات المعلقة في السقف أشبه باللآلىء ، والستائر المغلِّفة للجدران لا يمكن وصفها إلا على لسان شاعر، ..الأناقة هنا تتجلى في أبدع صورها، لازال حمدان واقفاً على الباب يَنْظر إلى كل هذا وذاك ..وقف ملياً والرعب والدهشة تتخاطفان قلبه.. أفزعه جداً صوت امرأة تقول:
    - (أدخل يابني نحن هنا في انتظارك...)
    ...صوتٌ لم يعرفه من قبل أو يسمعه.. إنه صوت امرأة عجوز..
    من أين انبعث الصوت،.. لا يدري،!!
    - (بسم الله) ... ودخل حمدان..
    كان كل شيء يقنعه أنه ينظر إلى فلم سينمائي، هو البطل الحقيقي له، تلفت وأجال بصره، إنه يرى امرأة في الستين من عمرها، كانت في كامل حشمتها، لا يبدو منها سوى الوجه، ...قد جلست على أحد الكنبات الفخمة وبجوارها منضدة صغيرة وُضع عليها شيء من الرطب وفي يمناها كوب من القهوة، قالت له في بساطة:
    - (تفضل يا ولدي، اجلس هنا بجواري، ..اعذرني، القيام سيتعبني .
    - (لا، استريحي يا خاله.)
    ... أقبل حمدان نحو العجوز وقبَّل رأسها على الطريقة التقليدية، ثم جلس بجوارها...
    يبدو أنها طيبة جداً، ولكن لا يدري لماذا ذهب تفكيره عند العجائز السحرة اللواتي يركبن المكانس ويطرن بها!!
    ابتلع ريقه في هدوء، وسألها عن صحتها...
    - (طيبه الحمد لله، ..كما ترى..)
    ...رفعت العجوز إحدى حبات الرطب وناولتها يد حمدان واستقبل حمدان تلك الرطبة، وألقى بها في جوفه بكل تسليم... ناولته حبة أخرى، ..وثالثة، ..ثم ناولته فنجان قهوة..
    ...لم يرفض أي شيء، ..إنه الآن في حالة لا تجعله يفكر إلاَّ في (الأبَّهة) والعظمة، التي يعيشها أهل هذا القصر، ..سأل نفسه.. يا ترى، لماذا أنا هنا، ما علاقة الممرضة بهذه القصر، وبالخدم الذين أتوا بي هنا، وما علاقتي أنا بهذا القصر وبهذه العجوز، ..الأمر إلى الآن لا يوحي بالشر الذي توقعته، ..أعوذ بالله، هل من الممكن أن يكون في الرطب (سم، أو: سحر) أو ربما في القهوة،.. لقد أكلتها دون تفكير.. أعوذ بالله.
    ...كان حمدان أكثر دهاءً عندما حمل رطبة وناولها للعجوز وقال لها تفضلي ولكنها صدمته بقولها، (شكراً لا آكل هذا) أيقن عندها أنه وقع في الفخ ، وأنه سيموت قريباً.
    - (من أجل خاطري يا خالة)
    - (هاتها...)
    تناولتها، ..أوه لقد انزاح الكثير من الهم.. قدم لها فنجان قهوة، سَكَبَهُ من الدلَّة التي شرب منها، تناولته العجوز شاكرة، ..إذن الأمر إلى الآن حسن ولا يوجد أي بوادر للاحتمال السيء الذي توقعته..
    - (خالتي... ما الداعي لوجودي هنا؟!)
    - (أنت يا بني ضيفنا الليلة.. أرجو أن نقوم بواجبك)
    - (ولكني لا أعرف عنكم إلا القليل، ..أتيت هنا مجبوراً..)
    - (بل ستعرفنا يابني عن كثب..)
    ...عمّ الصمت من جديد أنحاء البهو الواسع ...بدأت عيني حمدان تدور هنا وهناك بدهشةٍ أنسته كثيراً مما يجول في خاطره، المكدود، قِطَع الزَّل الراقية، ورسوماتها الجميلة، والفخامة البديعة، والبوابة المفضية لغرف المنزل الأخرى تجلس بجوارها كراسي ذهبية غاية في الأناقة، ...وفي أثناء ذلك الانبهار تدخل فتاة، ...لم يتوقع حمدان أبداً، دخولها مع ذلك الباب، فتاة في مقتبل عمرها كما خيَّلت له عيناه، ..لم يشأ أن ينظر إليها... ولكنها اقتربت متجهة نحوه... نظر أخيراً..يَالَ مفاجأته المتوقعة.. إنها عيني نفس الفتاة التي قابلها في المستشفى... أعاد النظر إلى الأرض ثانية.
    ألقت السلام عليه... رد السلام في كل ارتباكٍ استطاع جسمه أن يُبديه...
    - (أهلاً بك يا حمدان.)
    - (أهلاً.)
    - (خطوة عزيزة.)
    - ....
    في أثناء ذلك قامت العجوز مستأذنة وهي تقول
    - (اسمع يا حمدان... ريم تريدك في موضوع هام... سأحضر عما قريب... لن أتأخر)
    ...ارتبك حمدان، ..أراد أن يقوم معها ويذهب إلى حيث تذهب تلك العجوز... إنه مَوْقِفٌ موغل في الاحراج... ولكنه قال
    - (ابقي معنا يا خلة.. لا تتركيني وحدي)
    - (لماذا... أنت لست وحدك، ..ثم أنت رجل ما هذا الكلام)
    - (أقصد وحدي، مع ابنتك، أنا شاب وهي شابة... لا يجوز الخلوة بها)
    - (في مثل هذه المواقف يجوز، ..أنا واثقة من ذلك)
    ... ردت ريم ضاحكة
    - (إلى هذا الحد تخاف مني!!!)
    - (كلا... كلا لم أقصد)
    ...انصرفت الأم وجلست ريم قبالة حمدان وهي بكامل حشمتها.
    وعند ذلك بدأ حمدان يسترق النظر... سبحان الله كم أوتيت من جمال في عينيها، ..آه ستكون أجمل في نظري لو تركتني وحيداً وذهبت... أو أطلقت سراحي.
    ...سألها بعد أن نظر إلى زوج من البلابل موضوعة في قفص ذهبي.
    - (أي شعور تشعر به هذه البلابل يا ريم)
    - (سؤال غريب ولكن أظنها تماماً... تحكي حالنا ونحن جالسان هنا، وننعم بتقابلنا... يبدو أن مشاعرك يا حمدان مرهفة جداً... تلقطها وهي طائرة.. أليس هذا قصدك؟)
    - (يعني!! قريب نوعاً ما..)
    - (إذن ما هو قصدك بالتحديد)
    - (إنها لا تحكي وضعنا ، وإنما وضعي لوحدي.)
    - (أفصح... لم أفهم.)
    - (إنها محبوسة تماماً مثلي، ..تريد أن تطير، أن تغادر... وأنا كذلك أشعر أنني محبوس، صدقيني سأكون سعيداً لو فتح هذا الباب، وانطلقت سريعاً إلى الخارج)
    - (... أوه ..تقصد كل هذا، ..يبدو أننا أسأنا إليك كثيراً..)
    - (لم أقصد...)
    - (سامحني يا حمدان... وستندم صدقني على طلبك هذا بعد أن تعرف الموضوع)
    - (هل هذا يعني.. أنني لم أرتكب خطأ ما، ..وحان الآن وقت عقوبتي عليه)
    - (ما هذا الذي تقوله... أنت الآن في ضيافتنا وستنعم غاية التنعم، وسنكرمك طاقتنا ...تماماً كما نكرم العصفورين..)
    ...قامت لحظتها ريم وفتحت باب القفص وقالت وهي تعبث - للعصفورين- (أخرجي ، ها قد أطلقت سراحك)
    ...العصفوران لم يتحركا، ..أغلقت الباب الصغير، ونظرت ١إلى حمدان وقالت: ستكون بعد أن نكرمك تماماً مثل العصفورين، وسنفتح لك الباب وسترفض الخروج، ..لأن حَبْسنا لك هو حبٌ لك،
    - (شكراً، لقد عادت الطمأنينة إلى قلبي... ولكن...)
    - (ولكن ماذا)
    - (لا يجوز أن أخلو بكِ، ...ثقي أنني مسلم، ...أصلي جميع الصلوات في المسجد، ...أسأل الله دائماً أن يعصمني من الفتن وعامة الفتنة في النساء... وبنو إسرائيل فُتنوا بالنساء)
    - (نعم، صحيح.)
    - اقتربت ريم وجلست قبالته وقالت: ..هل سمعت يوماً باسم «ريم سعد المساعد»
    - (صدقيني لقد نسيت كل شيء، حتى اسمي نسيته بعد دخولي هنا
    ...ضحكت من كل قلبها وقالت: (تذكر اسمك أولاً ثم تذكر هذا الاسم «ريم سعد المساعد»)
    بدأ حمدان في التذكر، ولكن بدون جدية . ثم قال:
    - (أظن أنه مرّ عليَّ كثيراً... ولكن أين... هل تُقربين لي!!)
    - أجب عن السؤال التالي... هل تقرأ مجلة «الأسرة» ومجلة «الشقائق» وأيضاً جريدة المسلون، ومجلة المجتمع.؟
    ...أصيبت ريم بخيبة أمل حين قال:
    - (للأسف قليلاً ما أقرأ المجلات والجرائد.)
    - (ولماذا؟)
    - (أنا لا أشتريها ، إنها بصراحة تتاجر في أجساد النساء، إنها تعرض المرأة في صورة أبعد ما تكون عن الحياء والحشمة، لقد سَلَخَتْ من المرأة حياءها بعد أن سلخت منها قيمها ودينها... لقد...)
    ...قاطعته ريم قائلة...
    - (كفى.. كفى..)
    ...ابتسم حمدان ظناً منه أنه وُفق في هذه الكلمات التي انفلتت على لسانه كالسيل الدفاق، لقد أُعْجِبَ بنفسه كثيراً، وشعر بمكر ينقدح في ذهنه ويقول صداه داخل نفسه:
    - جميل... إن كانت هذه الفتاة لعوب...فقد أخْيَرْتُها بموقفي من المجون والخلاعة، وإن كانت محافظة فهذا أجمل، ستنظر إلي نظرة إكبار وتقدير)
    ... ولكنها قالت:
    - (هل تمزح يا حمدان)
    - (أبداً، أنا في كامل جديتي.)
    - (لاتقرأ المجلات أبداً!!)
    - (لا... لا... هناك مجلات دينية، نضيفه، أقرأ فيها دائماً، بل وأشجع على قرائتها، إنها تعيد بناء ما هدمته أيدي الانحلال..)
    - (مثل ماذا...)
    - (هي كثيرة جداً، لا يمكني حصرها... ولكن اذكر على سبيل المثال... مجلة... المسلمون)
    - (تقصد جريدة المسلمون)
    - لا لا ... مجلة، ولا يوجد جريدة (المسلمون) أبداً، أنا واثق)
    ...كان حمدان يقول هذا في شبه غيبة لوعيه، إنه لا يحب الكذب، ولكنه يريد قول هذا الكلام ليرسم صورة عن نفسه تُبعد كل هواجس الريبة من حوله... قالت: وفي الحقيقة أنه يعرف جميع المجالات السابقة ويتابعها.
    - قالت ريم: (هل تعرف مجلة الأسرة؟)
    عاد حمدان لرشده وهدوءه... فكّر قليلاً ثم قال:
    - (نعم أعرفها)
    - (هل قرأت آخر عدد منها؟)
    - آخر عدد!!، نعم نعم لقد قرأته.
    - ألا يوجد ارتباط بينه وبين اسم «ريم سعد».
    ...انفرجت عيني حمدان أكثر... لقد تذكر الاسم ، نعم تذكره، إنه اسم كاتبه سمع عن كتاباتها... تكتب تحت زاوية «سيداتي آنساتي».
    - قال في انبهار مَصْطنع:
    - (أوه... هل تقولين «ريم سعد»، نعم ، نعم، لعلي أذكر هذا الاسم، زوجتي قرأت علي قبل أيام مقالاً مطولاً وبديعاً، كتبته، صاحبة هذا الاسم ، أضن ذلك ...يبدو أنها داعية موفقة جداً... ويبدو أنها أوتيت قلماً ساحراً، هكذا قالت زوجتي، وهي تحب القراءة والإطلاع، ولكن ما علاقتك بريم.
    - (أنا هي، معذرة ، لم أقل هذا الكلام تباهياً، حاشا لله.. ولكن لتعلم أني إن شاء الله لن أتخلى عن مبدئي).
    ولتعلم أني أحمل الإسلام في نفسي حباً وعلماً وعملاً، إن شاء الله... وأيضاً لتنزاح كل الشكوك والريب من قلبك.
    شعر حمدان بخجل شديد... تذكر كلامه الذي تلفظ به في الهاتف قبل ساعات، ..ما أوقحه فعلاً، ..تذكر تلك المقالة التي قُرئت عليه... تسائل بصوت مرتفع مندهش... (لابد أن هذا حلم... ولكنه حلم جميل الحبكة، ليته يستمر لفترة أطول كي أعرف التفاصيل الأخرى عنك... لن يتيسر لي ذلك إلا في الأحلام).
    - (اطمئن لست في حلم..)
    - (أقسم أنني في حلم ..أعرف نفسي جيداً، دائماً تمنيني بالأماني الكاذبات...)
    - (اصْحَ يا نايم)
    - (لا... لا أرجوك، حلم جميل، لا أريد اليقظة منه).
    - (إذن لم تعد ترغب في الطيران كالبلبل).
    - (أي بلبل)
    - (هل نسيت...)
    - (لقد نسيت كل شيء)
    - (والله لقد عرفت ذلك، خاصة من كذبتك البيضاء المشوبة بالسواد)
    - (أي كذبة)
    - (كذبة المجلات التي تقرأها... لماذا يا حمدان كل هذه التهم)
    - (أي تهم)
    - (لقد اتهمت أجود المجلات... بأنها خليعة ماجنة،)
    - (أي مجون، أقصد أي مجلات)
    - (الأسرة، والشقائق، والمجتمع، ألا تستحي..)
    - (لم أتهم أحداً)
    - (اللهم طولك ياروح ، أنا سمعتك)
    - (متى!!)
    - (ألم تقل أنك لا تحب المجلات)
    - (نعم قلت المجلات الخليعة)
    - (لم أسألك يا صاحبي عن المجلات الخليفة، حتى الشيطان أضنه لا يحب تلك المجلات، ولكن سألتك عن المجلات الراقية صافية المشرب)
    ...حك حمدان رأسه في خجل، وفتح فمه (1سم) وأسدل عيناه، وقال:
    - (أنا ياريم في حلم، أرجوك لا تعكري حلمي أريد أن أقول ما أشاء، وأسب من أشاء، وأمدح من أشاء، وأشتم من أشاء، بل وأتهم من أشاء، أنا في حلم، أليس القلم مرفوع عن النائم.)
    - (أنت لست في حلم)
    - (إذن ما سرُّ هذه المتناقضات..)
    - (لو كنت تحب الصدق في الواقع لما أحببت الكذب في الحلم)
    - (عقلي فقد الكثير من قدرته على تحليل الأمور ، أنا أعترف الآن أنني أخطأت ولكني لم أسمع منك أسماء المجلات التي ذكرتيها، لم أكن أسمع، كنت أريد أن أتكلم، وبأي شيء حتى أخرج من المأزق)
    - (وما رأيك الآن)
    - (... أوه ..لم أعد قادراً على الحكم... صدقيني أصبحت في دوّامة.. قولي ..لي بربك ما هو الموضوع الذي جئت من أجله إلى هنا)
    - (أليس من المفروض أولاً أن نتعرف على بعضنا، أريد منك معلومات كاملة عن جميع تفاصيل حياتك)
    - (وأنت)
    - (أنا بدوري سأعطيك تفاصيل حياتي.)
    - (والهدف الذي من أجله وُجدْت هُنا هل ستخبريني به أيضاً)
    - (الهدف ستعرفه في النهاية وسيكون تتويجاً للقاء، ..موافق)
    - (اسمي حمدان عامر... أعمل موظفاً لدى الشؤون البلدية ...عمري (27) عام... هل يكفي هذا...)
    - (لا لا أريد أن أعرف المزيد عن أفكارك، أخلاقك ، تطلعاتك المستقبل لديك)
    ... أفكاري... أولاً أنا مسلم متمسك بما أستطيع عليه من ديني، ..لست مَلَك، ..ولا أدعي أنني بريء من الذنوب، ..ولكني ...أقف مع نفسي بعد كل ذنب لأحاسبها عليه، ..أؤدي الصلوات في وقتها في المسجد.. وأحاول قدر المستطاع أن أبَرَّ بوالدي، ..أحب للآخرين ما أحب لنفسي، ..هذا كل ما أذكره من أخلاقي...
    ...أما تطلعات المستقبل فلا أظن أنني أطمع في شيء سوى منزل ملك، وسيارة جديدة... وقد أطمع في رصيد ولو صغير نسبياً في البنك،)
    - (أجبني يا حمدان بصدق هل ستؤدي زكاة هذا المبلغ الصَّغير)
    - (صدقيني لا أدري... المال يُطغي... ولكن سأحاول)
    - (إذن لست مسلم كما ينبغي..)
    - (ألم أقل لك إنني عاصي)
    - (ولكن ترك الزكاة كفر... أقصد تركها مُنكراً لفريضتها)
    - (..صدقيني ... أنا الآن ليس لدي إلا الفقر، بل أضن أنني من أهل الزكاة...)
    .. هـ .. هـ .. هـ
    ..ارتفعت الضحكات البريئة هنا وهناك لتعم جنبات القصر الشاسع...
    - (هل بقي شيء عن شخصيتك)
    - (كلا .. لا أذكر،)
    - (إنك تتحايل علي،)
    - (أنا!!)
    - (نعم.. لم تذكر أنك متزوج ولديك ثلاث بنات)
    - (وكيف عرفت)
    - (ألم تعلم، ..لقد تقصيت كل أخبارك نهار أمس)
    - (نهار أمس؟ أوه... لم تحضري للمستشفى)
    - (هل لاحظت ذلك)
    - (أوه... لا لا..)
    - (إياك والكذب.)
    - (قولي لي كيف حصلت على أخباري)
    - (لا تسأل... ..عن طريق: الجنِّي سُحَيبون..)
    - (أعوذ بالله، ..السحر كفر)
    - (لا .. اطمئن أنا أمزح)
    - (إذن كيف)

    --------------------------------------------------------------------------------
    اجزء الثاني



    - (الأمر بسيط، أحد أقاربي يعمل ضابطاً في المباحث.. وطلبت منه تقصي كل شيء عن حياتك، ..أرسل لمباحث عسير وبسهوله وصلتني كل الأخبار)
    - (مباحث ... هل وصل اسمي للمباحث... أعوذ بالله...)
    - (وهل تضن أنه للتوِّ يصل... إنه عندهم من زمن سحيق)
    - (ماذا)
    - (الأمر طبيعي، كل مواطن يأخذ بطاقة يكون اسمه لدى المباحث وهذا في كل بلد)
    - (ممكن!!)
    - (بل أكيد...)
    - (أكيد...)
    - (بل ممكن...)
    ...هـ ...هـ ...هـ
    ... الأنس يغمر كل شيء، ..أحس حمدان بشيء يزيح كل الفراغ من قلبه، ويُحل بدلاً منه السعادة، ..ولكن يبقى السر الكبير الذي لم ينفتح الباب عن كنهه ...أوه ليته ينفتح.
    - (ريم.. بقي أنت أريد معرفة كل شيء عنك..)
    - (المسألة ستطول، ..ولكن سأختصر:
    (اسمي ريم، ..أبي رحمه الله كان ثرياً جداً... مات ولم يخلف أحداً سواي... تركني مع أمي الأرملة في هذا القصر، ..ترك لنا أموالاً وعقارات كثيرة... وخَدَماً كانوا عتقاء له.. في السابق حياتنا تماماً كحياة الأمراء... كنا في حياة أبي نَحْتَكُّ بالطبقات الراقية في المجتمع، والثرية، .. ولكن وفاة والدي كانت صدمة قوية لأمي... مات والدي وعمري لا يجاوز الخمس سنوات... انظر... هذه هي صورته، ..أحتفظ بها دائماً في حقيبتي، وأدعو له كلَّما تذكرته... صُدمت أمي بوفاة والدي، ..عمرها آنذاك اثنان وثلاثون، ...تركت جميع علاقاتها السابقة، واستقرت استقراراً كلياً في المنزل، وتفرغت لعبادة الله أشبه بصوفية، ..خطبها الخطاب من كل مكان ولكنها رفضت ...بذلت الكثير لتُربيني، وأرجو أن تكون نجحت في ذلك، وبعد تخرجي من الثانوية... دخلتُ معهد الممرضات .
    ...لم أكن في البداية مقتنعة به، ولكنَّ مجموعي في الثانوية لم يكن يؤهلني لدخول أي كلية... هذا المعهد أشبه بكلية صحية... وهو يعطي دبلوم عالي... وبعد أن تخرجت منه عملت في المستشفى، ...ليس لي حاجة بالمال ولكن الفراغ عدو لدود ...لذا استعنت بالله... وواصلت عملي كنت والحمد لله مضرب مثل للالتزام بحشمتي، ولم أكن أدقق النظر إلى أي رجل... كنت أقوم بعملي، وكأن الرجال أجسام فخّارية... حتى قُدِّر لي أن أراك.
    - (وماذا في رؤيتك لي!!)
    - (هذا سر سأقوله لك لاحقاً... وهناك سرٌ ربما لن أقوله لك مطلقاً، والسر الثالث سأقوله لك الآن).
    - (أسرار!!! ثلاثة !! أسرار ماذا)





    5 ــ السر الثالث والسر الثاني
    ابتعلت ريم ريقها ببطء، ثم دققت النظر صوب ندبة صغيرة في خد حمدان، بعدها أطرقت إلى الأرض، وازدادت زفراتها قوة.
    - (ما هو السر الذي تريدين قوله لي يا... ريم أليس كذلك)؟
    ... أعادت ريم النظر إلى حمدان وقالت:
    - كنت شابة يافعة، لم أجاوز السادسة عشر من عمري أجهل الكثير من بدهيات الحياة، لا أعرف سوى المرح، ...والدتي كانت حريصة كل الحرص على إحسان تربيتي، كنت حينها محطَّاً لأنظار الكثير من الشباب الباحثين عن زوجة متدينة. وفعلاً تقدم للزواج مني شاب، كان شاباً مكتملاً من جميع جوانب الرجولة والمروءة، إلا أنني لم أرغب في إكمال الزواج بمجرد رؤيتي له، بقيت أمي تقنعني حتى اقتنعت أخيراً، ولكن الزواج لم يتم .
    - (لماذا لم يتم الزواج؟)
    - (هذا قدر الله، لم يتم الزواج لسبب لا يمكن لي أن أذكره لك الآن، لأنه يتعلق بالسر الثاني، ربما سأذكره لك لاحقاً).
    ...كانت ملامح ريم تتغير بسرعة مع كل كلمة تقولها، وكان الاضطراب متمالكاً لكل بدنها... وبدأت زفراتها ترتفع بشكل مخيف وأخيراً وضعت وجهها بين كفيها وبدأت في البكاء الشديد. موقف حمدان أشبه بموقف المذهول، لم يستطع فعل أي شيء،
    ..كاد يبكي معها... وضع يده بدون شعور على كتفها وقال لا عليك... اطمئني...
    ... رفعت رأسها ونظرت إليه وكأنها تلومه على هذه الحركة أجابها معتذراً: (آسف لم أقصد...) وبدأت عيناه لحظتها تذرف دمعات ساخنة... وقامت ريم وبكاءها يتبعها ، انطلقت حتى تغيبت داخل الباب،
    ...همّ حمدان على الهروب... ولكن يبدو أن أم ريم كانت ترقب الموقف كله، وكانت جالسة جوار الباب... دخلت بمجرد قيام ابنتها... قال حمدان:
    - (صدقيني يا خالة... لم أسيء لها... لم أقم تجاهها بأي خطأ .. صدقيني... والله العظيم...)
    - (أعرف يا بني... سأكمل أنا سرد بقية القصة... أو بمعنى آخر سأخبرك عن السر الثاني.. أما الثالث فهو يرجع لها هي..
    - (لقد رفضت ريم الزواج من ذاك الشاب في البداية بسبب حلم رأته... كانت تُسميه رؤيا وكنت أنا أسميه حلماً حتى صباح أمس، ... وصباح أمس فقط أيقنت أنها رؤيا)
    - (ماذا)
    ... قبل أن يتقدم خطيبها هذا لخطبتها رأت في المنام أن أباها يأتي نحوها بثياب بيض ... ويمسك شاباً بيده... ثم يتقدم هو والشاب نحوها... كانت ترى نفسها في صحراء قاحلة،.. وأبوها يتقدم لها شيئاً فشيئاً، كانت تشعر بعطش وجوع، والريح الحارة تحثو في وجهها التراب،
    ... عندما افترب أبوها منها، رأت أنها تنطلق لتقابله فأشار بيده قائلاً: (لا، لن تستطيعي الاقتراب مني أكثر، ولكن خذي بيد هذا الشاب، ..هذا زوجك وسيكون في حبه لك بمنزلة أباك، .. أنت يتيمة، مات أبوك قديماً، ولكن زوجك هذا سيكون حتماً مثل أبوك... بارك الله لك فيه يا بنتي.
    ...اختفى أبوها تدريجياً، واقترب الشاب حتى أمسك بيدها... وبمجرد إمساكه بيدها برزت أمامهما حدائق وأنهار وأشجار جميلة... وانطلق بها الشاب إلى تلك الأشجار ... للأسف لم يكن ذلك الشاب الخاطب لها يمتُّ إلى الشاب الذي قدمه لها أبوها بأي صلة لذا رفضته وأصرَّت على رفضه، حتى أقنعتُها، قلت لها يجب ألاّ تبني حياتك على الأحلام، وخطيبك هذا لا ينقصه شيء... وعندما اقتنعت بالزواج منه)
    ... نظرت الأم إلى حمدان مستغربة، وقالت له: (إهدىء يا ولدي أرجع ظهرك على الكرسي...)
    .. ذاك أن الدهشة قد ألجمته... وجعلته يسبح في طيات هذا الحلم الغريب، واقترب من الأم تاركاً كرسيه حتى كاد يلاصق وجهه وجهها... فقالت له ارجع على الكرسي.
    ... رجع إلى وضعه السابق.. وهو يزدرد ريقاً كثيراً جمعه منذ بدأت الرواية... ولم تسمح له دهشته أن يبتلعه؟؟
    - (نعم يا ولدي.. ثم لما اقتنعت بالزواج منه حصلت قصة غريبة هي السر الذي تقول ريم إنها لن تقوله لك أبداً، ولا أدري هل ستقوله أم لا، المهم أنه أُقفل باب زواجها، ولم تعد هي تفكر فيه مطلقاً، وتركت خطيبها وتركها خطيبها ... ومنذ أيام فقط حصلت حوادث غريبة، ... منذ تقريباً خمس عشر يوماً... كانت ريم تقول إنها ترى في المنام نفس الشاب الذي قدمه والدها إليها.. إنه بنفس ملامحه لم يتغير... وتقول إنها لم تر مثالاً لتلك الصورة إلا في الحلم... إنه كما تقول شاب تبدو عليه كل ملامح الصلاح والطيبة... وحين رأته في المنام من 15يوماً قالت لي ذلك، ولكني حاولت إقناعها بوجوب عدم النظر لمثل هذه الترهات... وإلا ما رأيك أنت يا حمدان؟!)
    - (أوه.. قصة غريبة... أضنها فعلاً أحلام وإلا كيف يتخيل الإنسان صورة جديدة، .. صورة لشخص لم يره من قبل، ... هل تريدين يا خاله مساعدتها في البحث عن الرجل... أقصد البحث عن طبيب يعالجها من هذه الأوهام... إن الطب النفسي لديه خلفية عن هذه الحالات الغريبة.
    - (لا يا بني... يبدو أنك أقل دهاءاً، وأكثر طيبة، ... يا بني نعم نريد مساعدتك لريم ولكن ليس كما تضن ... يا بني يا حمدان، إنك أنت الشاب الذي رأته ريم في منامها منذ سنوات، وأنت عين الشاب الذي تراه ريم هذه الليالي، كل ليلة تقريباً، .. أنت الشاب الذي قدمه والدها لها، وقال لها: هذا زوجك وهذا سيحل مكان أبيك، .. أنت ياحمدان بداية القصة، ونهايتها. وأنت العقدة التي عاشت عليها أُسرتنا هذه، منذ سنوات.
    الحمد لله الذي شاءت الأقدار وبقيتُ على قيد الحياة حتى انحلَّت تلك العقدة، ستكون ولداً لي يا حمدان وزوجاً لريم، وستكون أباً لبيتنا هذا، أنت سعد الساعد في هذا المنزل، لأنك وصيته إلينا...
    ... لعل هذا يا حمدان قد أبان لك كل القضية... ولعل الهدف الذي أتيت من أجله أصبح مكشوفاً الآن.
    ... لا أضن أبداً أن لديك مانع، ..ولو فُرض أن هناك مانع سيمنعك، فحتماً ستُزيل الأقدار تلك الموانع بإذن الله... لأن الرؤيا حق، وقد تحقق من الرؤيا أكثرها برؤيتنا لك وبقي القيل وسيتحقق الليلة، إن شاء الله...
    ... سبحان الله... من كان يتوقع أن تحصل كل هذه الأمور بهذه البساطة، ... والآن ما رأيك يا حمدان، قل بدون خوف أو حياء).
    - (تقولين أنني أنا .. الرجل .. الذي في الحلم)
    - (لم تعد حلماً يا ولدي بعد أن رأيتك، .. إنها رؤيا لقد قالت لي ريم بعد أن رأتك، قالت لي إنني قابلته، دخلت وهي تصرخ فرحة، قابلته يا أمي، قابلته، قلت لها من، .. قالت أبي ... أبونا جميعاً، .زوجي، . ووصية أبي لي، ..
    كدت أُصعق واستعذت بالله من الشيطان وسألتها عن تفاصيل ملامحك فكانت هي ذاتها تفاصيل الملامح التي سَرَدَتْها لي سابقاً، عن الرجل الذي في الرؤيا، .. قلت لها ولماذا لم تمسكيه وتحضريه، قد يهرب، .. قالت: لا يا أمي... إن القدر سيأتي به أنا مقتنعة، .. كما جاء به من عسير... وكما قدر لي أن أنظر إليه... في المستشفى، مع أن من عادتي ألاّ أنظر إلى رجل... وأذكر أنها في تلك الساعة، استأذنت مني قائلة:
    - (يا أمي هل تسمحين لي أن أُشبع عيني بالنظر إلى وجهه، .. إنه ذكرى أبي)، .. قلت لها: (أستفتي قلبك، أخشى أن يكون في ذلك إثم {قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} قالت:
    - (يا أمي، ليغفر الله لي ... لن أستطيع لجم عيني عنه، إنه أملي الوحيد في الحياة... وقد يكون زوجي) ... قلت لها (وكيف سيأتي) قالت (سيتصل بي وسيأتي اطمئني) .. وفعلاً أتيت إلى هنا، ..قل لي كيف كنت تفكر وأنت تأتي إلى قوم لا تعرفهم،)
    - صدقيني كنت أُحس أن أحداً يدفعني وأنا أرفض وكنت أسير وأنا شبه مغمض العينين.)
    - (نعم يا ولدي، هذا تماماً ما توقَّعته ريم... حفظك الله يا ريم ... قل لي يا ولدي ... ما رأيك ستكون الملكة والدخلة هذه الليلة.. أمر مكتوب.. قد انتهى، ولا يحتاج لطول تفكير.)
    - (الليلة؟ ما هذا... ماذا تقولين..!!)
    - (لا تندهش... سندعي عم ريم وشاهدين والمأذون ونضع وليمة صغيرة، ..هنا كل الأمور تؤخذ ببساطة... صدقني لو أردت أن أجعل لبنتي أكبر زواج تعرفه الرياض لما عجزت، ولكنَّا قومٌ واثقون من أنفسنا، ونخاف الله، ...وإن أردت أن ندعو جماعة الحي وأقاربنا فلا مانع، ..نعم ولعلها هي السنة كي يُعلن الزواج.)
    - (ياخالتي ... لاشك أنني خرجت من حلم ودخلت في غيبوبة... هذه الأشياء لا تُعقل... ارحموني... ياناس، ارحموني...)
    - (ماذا يا حمدان أقول لك الأمر مُقدر... الأمر منتهي لماذا أنت تماطل.)
    - (أنا لا أماطل يا خالة، ..سيكون وضعي في شدة الحرج.. أنا متزوج ورب أسرة... ووظيفتي في أبها... واستقراري هناك)
    - (اطمئن يا ولدي كل هذه الأمور محلولة مسبقاً.. لقد حلتها ريم مع نفسها... وستعرض عليك كل ما فكرت فيه، وأما كونك متزوج ورب أسرة فهذا مما يسهل علينا المسألة كثيراً، ويجعلنا نتعلق بك، لتكون رباً لأسرتنا، لأن وضع ريم ربما لا يسمح،)
    - (لا يسمح بماذا)
    - (لا.. لا.. أبداً.. ستعرف كل شيء يا حمدان قريباً).
    - ...
    - (إذن السكوت علامة الرضا... قم يا ولدي حان الآن وقت الصلاة... اذهب وصل واستخر الله وانظر بماذا يطمئن قلبك، هيا يا ولدي قم للصلاة.)
    .. تغيب حمدان للصلاة وقتا أكثر مما يحتاجه رجل يصلي المغرب... يبدو أنه قرر عمل شيء ما... أخفاه عن أهل المنزل.
    ... طال وقت الانتظار..، وهو لم يحضر، ..مرت ساعة بعد انتهاء الصلاة وسألت الأم نفسها أين هو يا ترى.. لقد تأخر.. ولكن حتماً سيأتي به الله... أنا واثقة.
    ... في أثناء ذلك طُرق الباب واستأذن حمدان بالدخول كما هو المتوقع.
    - (لعلي لم أتأخر عليك يا خالتي...)
    - (..دخلت أثناء ذلك ريم وهي تقول.. بل وتأخرت عليَّ أنا أيضاً ...قالت ذلك وهي تضحك) ولكن قال حمدان غاضباً:
    - (ما هذا)
    ...لقد دخلت ريم وهي بصورة أخرى... كانت مفاجأة كبيرة لحمدان... كانت كالبدر يتجلى في الليلة المظلمة ويتجلى فجأة، لقد أماطت الخمار عن وجها فبدا جمال المنزل الأنيق باهتاً أمام جمال مُحيَّاها، ..لم يتوقع حمدان أبداً أنها بهذا الجمال كان دائماً يتوقع أن أجمل ما في المرأة عينيها ويضن أن كثيرات ممن يُبدين أعينهن ويخفين وجوههن... يتعمدن إظهار الجميل وستر الأقل جمالاً.
    ولكن يبدو أن الأمر بالنسبة لريم مختلفاً تماماً إن عينيها جميلتين ووجهها يقاسم عينيها الجمال نفسه... سبحان الله.
    - (... قال بدهشة)
    - (أأنت ريم)
    - (لا حمدان..)
    ... أراد أن يضحك ولكنَّ بعض الخجل ألمّ به، .. وفرَّج عنه مشكلته تلك ضحكة صغيرة ضحكتها العجوز، .. وحينها بدأ حمدان بإخراج ضحكة مدوية، ضجَّ لها المنزل.
    ...قالت الأم: (هذه زوجتك هل توافق على الزواج منها).
    - (نعم موافق.)
    ... ذَرَفَتْ دمعتين صغيرتين باردتين من عيني ريم وتبعتها دمعتين من عيني أمها... وتكلف حمدان إخراج أيما دمعة ولكن لم يسعفه الحظ بذلك، لذا اكتفى بضحكته التي لازالت أصدائها ترن في رأسه وفي البيت أيضاً.
    ...جلس كل من حمدان وريم، وقامت العجوز مستأذنة، ...الكل يعلم أنها ستكون قريبة منهم... وعندما تضطر الأمور لتدخلها ستكون أسرع تدخلاً من هيئة الأمم في حروب البلقان - على أية حال - قال حمدان: (ريم كيف ستكون حياتنا... لاريب ستكون صعبة جداً سنفترق أكثر مما نجتمع)
    - (اطمئن أنا مقدرة لكل ظروفك... أعلم أنك متزوج، ستكون حياتك مع أبناءك كما هي، لن يطرأ عليها كبير تغير.).
    - (ولكن لك حقوق كما لزوجتي الأولى،)
    - (أعلم ذلك... ولكن المجتمع الظالم حكم بهذا على المرأة، ..إنه مجتمع، تهان فيه المرأة على حساب بنت جنسها... حُكم على المرأة الثانية بأنها مجرمة... وأنها سارقة أزواج... لذلك لا يوجد حل آخر، يكفيني أنني حققت وصية أبي... أنا أعلم أن في تنفيذها الخير كله)
    ...ارتفع صوت الأم من الداخل: (يا أولاد لقد أرسلت السَّواق ليأتي بالمأذون، وبعمك ياريم، وطلبت منه أن يَعْزِمَ كل الجيران، الذين يصلون العشاء في المسجد هذه الليلة... وسيحضر العشاء بعد ذلك)
    تكلم حمدان: (هل تضنين أن زواجاً يتم بهذه السرعة سيكون ناجحاً)
    - (قلت لك يا حمدان ... أنا لن أطلب منك أيّ شيء...)
    - (وأين ستسكنين)
    - (كما تريد... هنا في الرياض، ..هناك في أبها... في أي مكان... صدقني أنا أنظر لك كوالدي تماماً... قبل أن تكون زوجاً لي، ... أنا عشت يتيمة يا حمدان... يتيمة، ..أتعرف معنى اليتم، ..لا أب... ولا أخ... ولا أحد... كانت أمي هي كل شيء في حياتي... أحس الآن بجوارك بالأمن، أحس أنني أعيش حياة طفولتي من جديد ولكني أعيشها بأب، ...لم أعد يتيمة وهذا يكفيني،)
    - (لو عشتُّ في أبها وأنت هنا فكيف سألقاكِ؟)
    - (كما تريد... في الشهر.. في العام... أتصل بك يومياً... أسبوعياً... تريد أن آتي إليك هناك... تريد أن تأتي أنت، ...حمدان كل ثروتي الآن تحت تصرفك)
    - (لا تقولي هذا.)
    - (الأمر بالنسبة لي... يختلف تماماً.
    - (كم أنت جميلة ياريم... لم أتصورك هكذا)
    - (صحيح!!... لو لم أكن جميلة هل كنت ستتزوجني)
    - (المهم في المرأة أدبها)
    - (لم تَصْدُقْ في هذا الكلام، أليس كذلك...)
    - (في الواقع أنني كنت متردداً قبل... رؤية وجهك.)
    - (ولمَّا رأيته؟؟)
    - (وافقتُ بسرعة... ولكن صدقيني، إن كلماتك هذه العذبة الصادقة أكثر جذباً لقلبي من جمال وجهك)
    - (ليت جميع الرجال يؤمنون بهذا ويطبقونه.)
    - (وليت جميع النساء في طهر قلبك، ...ريم هل ستقولين السر الثالث لي).
    ...أطرقت ريم برأسها وصمتت.
    ... أثناء ذلك سمعت الجلبة في الخارج... يبدو أن عم ريم والمأذون وصلوا... لذا دخلت ريم وفتح الخادم الباب وولجا...
    كانت التحية رسمية كالمعتاد، وكان المجلس أكثر رسمية من التحية، خاصة وأن عم ريم يُعتبر من الطبقة الممتازة في المدينة. ودار الحديث بين العم وبين حمدان على شكل أسئلة وأجوبة يبدو أن حمدان قد راق للعم إلى حد كبير،... في أثناء ذلك قام العم مُنْصَرفاً وولج إلى الداخل وهو ينادي ياريم... وبعد قليل دخل رجلان يبدو أنهما من أقارب ريم... وعاد العم ثانية، واستأذن المأذون في بداية العمل بعقد القران وتم ما أراده بسرعة... وبعد لحظات رُفع صوت المؤذن للعشاء وقام الجميع متسارعين للصلاة، ..وقضيت الصلاة وعاد الجميع ومعهم الكثير من جماعة المسجد وأصبح المجلس الآن أكثر رسمية من ذي قبل.. وحضر العشاء... (وأكل الحاضرون منه ما سمحت به أمعاءهم)... وقاموا إثر ذلك مستأذنين.
    الوضع هو الوضع الذي يتكرر في كل زواج ولكنّ السر الثالث بدأ يقلق حمدان بعض الشيء... فهل يا ترى ستتلفظ به ريم، ويعرفه حمدان، ويستمتع ذهن الزمن بسماع ذلك السر، أم أن مقبرة قديمة في قلب ريم ستحوي ذلك السر، ويكون الأمل في معرفته ضرباً من (السخافة)، ...قريباً سيتسنَّى للكل معرفة الكثير عن ريم.. وعسى أن يحالف الحظ فيُعرف ذلك السر (الأول)...

    6 ــ (اللقاء الحلال)
    ...عاد البيت ثانية كحاله قبل صلاة العشاء، خالياً من كل أحد، سوى العجوز وريم والعم وحمدان، وبعد قليل خلا المنزل من العم، والآن حمدان وحيدٌ في البهو الكبير، شرد بذهنه قليلاً ثم دخلت الأم وريم وتبادل الجميع أسمى التبريكات،.. وجلس حمدان جلسة غريبة، والأحداث من حوله لا يكاد يصدقها عقله، أمامه زوجته ريم، وبجوارها عمته، ..الكل سعداء، والابتسامات تجد طريقها بسهولة لتلك الأفواه، ..الجميع ينتظر ما يقوله الأب الجديد، وجد حمدان أن من الواجب عليه أن يقطع أروقة الصمت المسدلة على الموقف الغريب، لذا أخرج محفظة نقوده ، يبدو أنها مليئة بالنقود... سحب رزمة ربما كانت 3000ريال من فئة (500) ريال، ومن جانب المقعد سحب كيساً متوسط الحجم أخرج منه علبة مربعة الشكل ...وضعها على المنضدة القريبة، وفتحها... إنها تحوي طقماً من الذهب الأصيل... المنضدة الآن تحمل طقم الذهب بقيمة 2000 ريال، ونقد يبلغ 3000ريال، خمسة آلاف ريال هي كل النقود التي استطاع حمدان أن يصرفها عن طريق جهاز الصراف في أثناء تغيبه بعد صلاة المغرب، ومن ثمَّ شراء طقم الذهب إنه المهر الذي قرر تقديمه لزوجته الجديدة.
    - (الله ما هذا يا حمدان، لقد كلفت نفسك كثيراً)
    - (كلا، بل قولي لم تكلف نفسك)
    ... السكين بجوار حمدان، والكعكة كذلك، وعليه أن يقطع ويوزع على الجميع.
    اقتربت ريم منه أكثر، وابتسمت، وابتسمت أمها أيضاً، قالت ريم
    - (انتظر يا حمدان، يبدو أن الكعكة ستسلم من السكين لفترة أطول).
    - (لماذا؟)
    - (لأن هذا العمل من تخصص المرأة، أنتم معشر الرجال لا تجيدون استخدام السكين).
    - (بالعكس تماماً ياريم ... قال الشاعر والسيف في اكفف الهندية القضب).
    - (ربما كنت أنت الشاعر!)
    - (وكيف عرفت)
    - (البيت شبه مكسور)
    - (ماذا ... هل سمعت يا خالة)
    ...لم تملك العجوز إلا ضحكة سعيدة أخرجتها من صدرها الواسع...
    ...ريم تذكرت شيئاً ما... يبدو مهماً الآن، رفعت حقيبتها التي كانت قابعة في أمان الله بجوار الكنب... وفتحتها... وأخرجت بطاقة صراف يبدو أنها جديدة، وهي باسم حمدان، وقد كُتب عليها الرقم السري... يبدو أنها أخرجتها نهار أمس من البنك... دستها في جيب حمدان وهي تقول: هدية بسيطة.
    ...اصطنع حمدان أنه غاضب من هذا العمل غير المعهود، والذي لا يليق أبداً أن يتم في مثل هذا الجو.. ولكن العجوز عَضَّت على شفتها السفلى وأغمضت إحدى عينيها مُجبرة إياه لزوم الصمت وعدم إطالة الوقت في حدث كهذا... مما جعله يسلم للأمر الواقع، ..كما سلم من قبل لأمور أكثر غرابة ودهشة، قال في نفسه: زواج آخر زمن، المرأة تخطب وتتزوج، وتدفع المهر...
    ...قامت الأم مستأذنة، يبدو أنها هذه المرة لن تقعد للمراقبة لأنها قالت بالحرف الواحد... خذوا راحتكم، جميع الدور الأرضي على حسابكم، ..وكذلك الدور الثاني... سأكون في غرفتي في الدور الثالث... جلس حمدان وبجواره ريم، ...كان قلبه يدق بضربات لذيذة أحسَّ أن الكرسي يتحرك من وقعها... وكان الارتباك ظاهراً على محياه، ...في الحين الذي كانت ريم أكثر استقراراً.
    - (حمدان ... يجب أن تقول كلمة جميلة في غضون لحظات)
    - (أنت جميلة ياريم..)
    - (الله بديهة عظيمة)
    - (هل تسمح لي بإنشادك قصيدة «طازه»)
    - (جداً!!)
    - (لمّا يزل... قلبي وقلبك يا أملْ... في صفحة الكون البديعة يكتبان... وعلى شواطىء دجلة يتحدثان.
    - (لمّا يزل!!)
    - (والبدر في الأفق البعيدة مكتمل)
    - (لما يزل)
    - (والنجم أطرق واعتذر)
    - (لما يزل)
    - (قلبي وقلبك يا أملُ... لما يزل
    والطير عنى واعتذر... لما يزل
    وهناك صوت العاشقين يجيبه أحلى جمل
    - لمّا يزل
    - قلبي وقلبك يا أمل...
    ... ونسير في صحراء حبٍ نمتطي ظهر الجمل
    - لما يزل
    - وتسير كثبان الرمال وينشي حجر الجبل
    - لما يزل
    - لما يزل، قلبي وقلبك يا أمل، في لوحة الأفق الفسيحة يكتبان
    ...وعلى شواطىء دجلة يتحدثان
    ...وتضج أمواج الشواطىء صخرها يشكو البلل
    ... وهناك تبتسم الثغور ويبتدىء شهر العسل

  2. #2

    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    1,087
    معدل تقييم المستوى
    2

    Rose ...,,.ما قصرتي.........و يعطيك 1000 عافية ........

    ~*¤ô§ô¤*~°ˆ~*¤®§(*§*)§®¤*~ˆ°,.. مشكور أختي على الموضوع الحلو وتسلمي يا الغالية ويشرفني أكون أول مشارك لصفحتيك وننتظر جديدك ,.. تقبلي مروري ,. أخوكي أسيروا ,,..°ˆ~*¤®§(*§*)§®¤*~ˆ°~*¤ô§ô¤*~

  3. #3
    ... عضو جديد ...


    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    4
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي

    - ما رأيك هل أنا شاعرة
    - (أنت عظيمة ياريم)
    - (الآن دورك في قصيدة)
    -..قالت لـي الدنيا ســـــلام تســليم
    حبيبك اللّي تـحب ما عـاد يبغيك
    حـبيبك الـلي تـحب جهل التعـاليم
    والْيَا تـقرَّب منـك فهنـاك يقصيك
    أول وتالي الوقت...
    - (يكفي يكفي أرجوك)
    - (ألستُ شاعراً)
    - (ربما... ولكن شاعر «هجاء»)
    - (ألم يعجبك شعري)
    - (كلا)
    - (ليس شعري والله العظيم)
    - (شِعرُ مَن إذن)
    - (شعر... لا أدري ولكني أحفضه منذ الصغر)
    - (إذن يجب أن تنساه هذه الليلة.)
    - (حاضر)
    ...استمرت الليلة وادعة جميلة يترنم فيها الزوجان الجديدان ألحاناً يعجز عن عزفها قيثار فنان، وصمت كل شيء سوى القلبين النابضين بالحب.
    بدأت ريم تتحدث بصوت منخفض لايكاد يُسمع: «الحب الحلال،.. الذي افتقده اليوم آلاف العاشقين، وحرموا منه لأنـّهم أبو إلا أن يغمسوا أنفسهم في مستنقع آسن من الحب الحرام، الذي وإن ترنم بألحانه العاشقون قليلاً، فإنما ترجع ترانيمهم كنباح الكلاب المسعورة... وعندها ينظر كل عاشق إلى معشوقه نظر الذئب إلى فريسته، لاغير ذلك... ويتم ساعتها الافتراس على غير القبلة ولا يبقى شيء، سوى نباح الكلاب، والأعراض المهتوكة... قاتل الله تلك الأصابع الملوثة... بألوان الصورة البشعة لحب القرن العشرين، ورحم الله الحب عندما كان عذرياً، لا يكون إلا للزوجة، كم ابتذلوا الحب ولطّخوا صورته الجميلة، ...فأصبح لا يُعرف عندهم ، إلا مع المومسات... وأصبح الرجل عندهم يعشق كل أنثى إلا زوجته... ويهيم إذا خرج بكل فتيات الليل، وإذا دخل المنزل ركل زوجته بحافره وكأنها علبة ورقية ممتهنة، ..ورحم الله زماناً ولَّى... كان فيه العرب أكثر احتراماً لفطرتهم ودينهم، وكان أحدهم لا يحب إلا ليتزوج، وإذا تزوج فإن زوجته هي حبه الوحيد.)
    هذه الكلمات والأفكار مقطوعة دملخَّصة من كلمات جميلة قالتها ريم بهمس... كلمات ريم بالطبع أجمل مما حُفظ في ذهن حمدان...
    ولكن لسرعة ريم في الكلام ولبطء حمدان في الحفظ اضطر أن يختصر ذهنه الكثير من الكلمات، بل ربما اختصر بعض الجمل.
    ...قبَّلت ريم يد حمدان وقالت سنبقى حبيبين إلى الأبد... وقبَّل حمدان يد ريم وقال أعدك بذلك..
    عم السكون وقام حمدان ... وقال هيا للنوم، فرأسي يدور، لقد أُرهقت اليوم كثيراً ...تباطأت ريم قليلاً... ولكنه سحبها بلطف وهو يقول ماذا بك.
    ...
    وعندما أراد حمدان أن يسير إلى الأمام تَصَلَّبت ريم في مكانها، ...وضع يده... على كتفها ويده الثانية تحت ذقنها ورفع رأسها إلى الأعلى وهو يبتسم...
    ...كم كانت دهشته،... لقد رأى دمعتين في محجريها
    ...ولم تكن دمعتين يتيمتين بل تبعتها دمعات أكثر
    ...حملق فيها وقال... ماذا بك
    ...انفجرت ساعتها ببكاء، بكاء حار، وألقت يديه بعيداً وهي تقول (لا... لا... لن أذهب معك... كلا... اذهب لوحدك... اذهب هيا...)
    ...ألقت بنفسها في تلك الأثناء على المقعد بقوة وحنق.. اقترب منها ... وضع يده على رأسها، ..دفعته بعيداً
    - (إذهب هناك)

    7 ــ

    --------------------------------------------------------------------------------

    7 ــ السر الأول
    بدأ سيناريو قصة جديدة ، لم تكن أبداً في مخيلة حمدان ولا حتى في مخيلة (كاتب هذه الرواية) ولا حتى في مخيلة أحد... حمدان انهارت كل آماله التي ضنها صَرْحَاً ممرداً، وانهارت معها كل أعصابه، ..ولابد أن القارىء لهذه الأحداث وحتى كاتبها كان يريد إراحة أعصابه بتلك النهاية السعيدة، ويحتاج أيضاً إراحة قلمه من مشوار جديد يَلْمه لإكماله إلى جهدٍ وحبرٍ وقراءة ... الكل ... يريد استمرار البسمة التي ارتسمت على وجهه وهو يطالع كل تلك السعادة من نافذة صغيرة في ذهنه... وعلى النافذة الآن أن تتسع لتحتمل مستقبلاً جديداً لا يوحي بخير أبداً بالنسبة للزوجين الجدد... ولعلنا جميعاً وفي هذا السيناريو الجديد نُشبع فضولنا، بمعرفة السر (الثالث) أو الأول الذي تشوقنا مسبقاً لمعرفته...
    - (قال حمدان... ماذا بك ياريم «هل جننتُ»)
    - (كنت مجنونة حين اخترتك زوجاً... بل كنت مجرمة..)
    - (الأمر بسيط أطلقك وكل يذهب لحال سبيله)
    - (كلا... كلا... كلا)
    ... أمسكت بيده وضمتها إلى صدرها وقالت:
    - (أنت عظيم يا حمدان أنت حبيبي، لا أريد أن أقتلك يجب أن لا تموت، وكل من هم مثلك يجب ألا يموتوا... يجب أن لا يقتلهم المجرمون من أمثالي... أرجوك أبعد عني...
    ... لا تقرب مني كي لا تموت... سأقتلك...)
    ...جلس بجوارها على نفس المقعد ووضع يده على جبينها وأخرج مصحفاً صغيراً من جيبه... وبدأ يقرأ فيه، بدأ بالفاتحة كان صوته ساحراً جميلاً، كأنما أوتي مزماراً يتكلم به ويقرأ، ..انتهى من قراءة الفاتحة ولم يزل الاضطراب يكاد يقطع ريم المسكينة، ..بدأ في قراءة سورة البقرة كان تجاوبها بطئياً... استمر يقرأ ويقر.. واستمرت تستجيب ... مرَّ ما يقارب الساعة... تحسن وضعها كثيراً.
    ...أكمل قراءة سورة البقرة... سبحان الله كأنها قبس من النار أطفىء... صدقوا ذلك... كل ما في القصر... رآها، وأنا أيضاً رأيتها، ...أصبحت أكثر وداعة، ..تصبب عرقها غزيراً أمالت رأسها على صدره وقالت:
    - (يجب ألا تموت يا حمدان)
    - (إذا كتب لي الموت فسأموت)
    - (المهم ألا يكتب على يديّ)
    - (مستحيل أن تقتليني، ومستحيل أن أصدق بذلك حتى ولو رأيت السكين في يدك ورأيتك تحزين رأسي، ولن يعدو ذلك عن كونه حلم سخيف، من شيطان سخيف.)
    - (...حمدان)
    - (عينيِّ)
    - (قررت أن أقول لك السر الثالث أقصد الأول ... لن أندم يوماً ما على جريمة قتلك... لو قلت لك السر)
    - (قولي)
    - (حمدان.. أنا مصابة بمرض الإيدز، ...نعم يجب أن تصفعني الآن... ويجب أن تركلني، ..كنت دنيئة لأني حدثت نفسي بالأوهام... يجب أن أموت أنا، وأن تبقى أنت، وليس العكس).

    8 ــ الإيـــدز
    بدأت التغيرات الجسام ترتسم على وجه حمدان، وبدأ عِرْقٌ في رأسه ينبض بقوة، وعادت له حالة الأحلام والأوهام التي أحس أنه كان يعيشها منذ ساعات، ...لايمكن لهذا كله أن يحصل، الحياة أمامه تبدو ألعوبة وكل شيء يتقّزّم حول تصوراته.
    ...الأيدز، الشبح الرهيب، الذي سمع عنه كثيراً، واقترن في ذهنه بالكفار والمجرمين يظهر أمامه الآن، وفي إنسان من أهم الناس عليه...لا لا ...هذه سخافة... كاد يضحك، وكاد أيضاً يبكي، ولكنه ألقى نظرة نارية لريم أشبه برصاصة، أو قنبلة.
    ...كادت ريم تنفجر لتلك النظرة، كادت تموت هماً وغماً... قالت ردَّاً على نظرته النارية
    - (اطمئن يا حمدان، اطمئن، لم أكن في يوم من الأيام ماجنة، أو عاهرة، ولكنه قدري، إنها فتنة واختبار، وأرجو أن أكون مؤمنة وصابرة كنت سأكفر لو (ابتليتك معي) بهذا الداء، وتموت نفس طيبة بريئة.)
    ...ضَرَبَ حمدان بيديه على رأسه ، كاد يصرخ بأعلى صوته، ...شريط الأحداث يتسارع ، وشيء ما يكاد يخنقه، ربما اقتربت القيامة، وربما روحه خرجت من جسده، وربما لازال حياً إنه يشعر أنه لازال حياً، ولكن شيئاً ما أفسد عليه حياته انقدحت في عينيه نظرة أخرى، أشد جرأة واستفساراً... وجهها نحو ريم، كأنها تقول كيف أصبت بالإيدز...
    ...شعرت ريم بما يعتمل في نفسه قالت متلعثمة:
    - (قبل عدة سنوات سافرت أنا وأمي للنزهة، كانت رحلتنا لبلد جميل، ولم نكن ندري ماذا تخفي لنا الأقدار بين لوحات جماله، وكان ذلك البلد متقدماً لدرجة كبيرة، في طب الأسنان، كنت أشكو من آلام في بعض أسناني، وكانت فرصة مناسبة لعلاج تلك الأسنان... ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن... أصلحت أسناني... وتمتعنا بالتنزه... ومر شهر كامل كأنه ساعة واحدة...
    قررنا الرحيل، والعودة لبلدنا، ولكن قبل الرحيل أصبت بآلام في بطني، دخلت المستشفى... أثبتت الفحوصات أني مصابة بأعراض الزائدة... قرر الأطباء إجراء العملية لاستئصالها، أجريت العملية، واستؤصلت الزائدة، ونُقل إليَّ دم آخر، ...وللأسف، كان الدم المنقول يحمل فيروس الإيدز، الحمد لله، كان هذا هو قضاء الله، وكان هذا هو قدري...
    لم نعلم ساعتها بهذه النهاية الشنيعة لحياتي، عدنا... وبقينا ندرُج في نواحي حياتنا ونحن لا نشعر بشيء، مرت خمس سنوات أصبح عمري خمس عشرة سنة... وجميع شؤوني كما هي، لم أشعر بشيء ، ولم أدر عن شيء).
    ...حمدان ينظر إلى المسكينة التي أمامه وعيناه تذرفان دمعاً، ولعل قلبه يتقطع من جميع أنحاءه
    ...كانت شهقاته ترتفع بين الفترة والأخرى ولكنه قال لها:
    - (وكيف عرفتِ أنك مصابة... كيف)
    - (عندما تقدم الشاب الذي حدَّثَتْك عنه أمي لخطبتي، اقترح علي أن نذهب لأحد المستوصفات لعمل... فحوصات ما قبل الزواج... كنت سعيدة بهذه الفكرة... لم أعلم ساعتها أنها اللحظة التي سأعرف فيها أني سأموت... وأموت بداء الجنس
    ... وبعد إجراء الفحوصات عند المستوصف، كان كل شيء سليم إلا نتائج مختبر الدم... انفرد الطبيب المختص بفحص الدم، انفرد بخطيبي، ...كنّا ساعتها قد أجرينا عقد القران ولم ندخل بعد، ...انفرد به ...وقال له كلمات، ...كان مقطب الجبين ...قال لي زوجي حينها وهو بكامل غضبه، أخرجي، خرجت كانت علامات الحزن والغضب مرتسمة على وجهه، بقي زوجي والطبيب في الداخل وأقفل أحدهم الباب بالمزلاج وكنت لا أدري لماذا، ...بعد لحظات... فُتح الباب وخرج زوجي مكشِّراً أكثر من ذي قبْل، ..اقتربت منه لأسأله ولكنه - سامحه الله - (تفل) في وجهي... نعم تفل في وجهي وانصرف، ...لم أكن أعلم ساعتها أنه ينظر إليّ بكل احتقار ، يراني زانية، ...عاهرة، ولذا أصبت بهذا الداء، ..إيه.. كم.. كان قاسياً ساعتها، ...دخلت على الطبيب وسألته قال لي وهو مرتبك: (قدرك، ..أنت مصابة بمرض خطير... بعد إلحاح كبير قال لي... أنت مصابة بمرض الإيدز
    كدت أضحك، من هذه النكتة الساخرة... الطازجة... الجديدة... حقاً كانت جديدة... ولكني أجْريْتُ يدي على جبهتي، فوجدت آثار البلل، من ريق زوجي، علمت أن المسألة جد، ..وليست بالهزل، ..وأنها لم تكن مجرد نكتة، ..الغريب أنني لم أبكِ ساعتها على حالي، ..ولا على زوجي بقدر ما بكيت عليك أنت... نعم يا حبيبي، أنت، بكيت عليك... كنت موقنة أنك أنت زوجي، ..لا أحد غيرك... وعلمت أن قبولي بغيرك أكذوبة مُرة كذبت بها على نفسي، ولكن أيقنت أنني لن أتزوج برجل في الدنيا، وأيقنت أنك زوجي في الآخرة قد أبالغ لو قلت لك إنني كدت أطير من الفرحة... لأنني سأموت بالإيدز، وألقاك في الجنة... أنت... نعم أنت... الهدية التي قدمها لي أبي.
    ...المهم ...خرجت من المستوصف، ...بالطبع لم أجد زوجي...
    ... لقد ذهب وتركني... وتلاشيت من حياته، لأني في نظره عاهرة، ...أخبرت أمي... تألـَّمت كثيراً، ربما أكثر مما تألمت، ..ساءت صحتها كثير، وللأسف شكَّت فيّ... ولكني ذكرتها بالعملية الجراحية وبالدم الفاسد... وذكرتها أيضاً بالرؤيا... واستَوْحَيْتُ أنني سأموت عما قليل... ويال خيبة أملي... مرت الأيام ولم يأت الموت... كنت أعمل لألقى الله بعمل صالح وألقاك في الجنة ولكن لم أمت وحتى اليوم، كما ترى، ...صحتي ممتازة، بقيت أعمل للدنيا وأعمل للآخرة... وانتظر الموت في كل لحظة، جسدي هنا وقلبي هناك عند الله... استبشرت، وخفت، وفي الأيام الماضية، تكررت الرؤيا التي أراك فيها، علمت أنه الموت الذي انتظرته، ذهبت أنا ووالدتي إلى رجل يُؤوِّل الأحلام.. أوَّل الرؤيا بطريقة غريبة جداً قال لنا هل أنت مريضة، قلت نعم لقد قال يبدو أنك ستتزوجين قريباً وبعد الزواج هناك احتمالان .. قلت في لهفة وما هما.. قال:
    إما تشفين من داءك تماماً، وليس لك علاج إلا بهذا الزواج.. أما الاحتمال الآخر فيموت زوجك بنفس الداء، وتموتي بعده بقليل، قلت له أعوذ بالله... وكيف تؤول الرؤيا بهذه الطريقة... قال بكل هدوء... هذا كل ما عندي..
    ...ولما عاودتني الرؤيا كثيراً، سألت أحد أطباء الامتياز في المستشفى عن زواج المصابة بالإيدز هل فيه احتمال شفاءها وعدم إصابة زوجها... قال في عدم اكتراث ربما قلت له وهل أيضاً فيه احتمال إصابته بالمرض وعدم شفاءها منه قال أيضاً ربما ... ولا أدري هل صدق أم لا ... مع أني أشك في كونه فهم السؤال، المهم أخذنا ساعتها أنا ووالدتي أمر التأويل.. بعدم اكتراث وبقي يساورني تأويلي الخاص بأنه موعد دنو أجلي وموتي ولكن خاب تأويلي عندما فاجأتني الأقدار بك ورأيتك، ...أنت زوجي، رأيتك بشحمك ولحمك، ..أصبت ساعتها بالذعر، ...تخيلتك وأنت تصاب بالإيدز وتموت.
    وأيضاً تخيلت نفسي، وأنا أنعم بكل صحتي ولا يوجد بداخلي أي فيروس وأنت بجواري... سنكون ساعتها كأجمل زوجين، ...احتقرت نفسي كثيراً... لآمالي... ولكني أحببتك بكل جزيئات جسمي، ...حتى فيروسات الإيدز التي تعبث الآن في دمي أحسست أنها أيضاً أحبَّت بقاءك، وأحبت ألاَّ تلوث

المواضيع المتشابهه

  1. متى يكون العمل العمل والعبادة متوازنين
    بواسطة Ju$t me في المنتدى الارشيف
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 27-03-2010, 05:00 AM
  2. { * العلم * القلم * الحلم * الظلم * }
    بواسطة الساهر55 في المنتدى الارشيف
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 11-05-2007, 03:46 PM
  3. وجوبُ العلم ِقبلَ العمل, خشية َأن نقعَ في المحظور !
    بواسطة ابوصالح في المنتدى الارشيف
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 30-09-2006, 05:57 PM
  4. مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 08-08-2005, 11:53 AM
  5. مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 29-07-2005, 05:15 AM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52